
في عام 1561، منح ميثاق غير معروف لجامعة “كامبريدج” البريطانية سلطة اعتقال وسجن أي امرأة “مشتبه بها في عمل الشر”.
عبر هذا المصطلح الفضفاض، وعلى مدى ما يقرب من 350 عامًا، استخدمت الجامعة هذا القانون لسجن الشابات من الطبقة العاملة اللاتي تم العثور عليهن يسيرن مع الطلاب الجامعيين بعد حلول الظلام في “كامبريدج”، حيث كان من الممكن أن يتم نقلهن قسرًا إلى سجن خاص بالجامعة، ويحكم عليهن نائب رئيس الجامعة بالسجن لأسابيع.
وحسب الوثائق، تم القبض على أكثر من 5000 امرأة في القرن التاسع عشر وحده.
والآن، تسعى مؤرخة محلية إلى تسليط الضوء على ما حدث لهؤلاء النساء -وكثير منهن كن مراهقات- داعية جامعة كامبريدج إلى الاعتذار أو الاعتراف علنًا بالظلم الذي تعرضن له؛ كما يُشير تقرير لصحيفة “الجارديان”.
ينقل التقرير عن كارولين بيجز، مؤلفة كتاب “بيت الغزل: كيف احتجزت جامعة كامبريدج النساء في سجنها الخاص”، أن أيًا من النساء لم تحصل على محاكمة عادلة على الإطلاق، ولم تخالف أي منهن القانون فعليًا “وفقًا لقانون البلاد، لم يكن هناك دليل على ارتكاب أي مخالفات”.
وقالت: “لم تكن الجامعة تهتم حقًا بكيفية معاملتهن. لقد أرادوا إبعاد النساء عن الشوارع حتى لا يتمكن من إغراء الطلاب الجامعيين”.
وعندما كانت النساء في كامبريدج يمرن بأوقات عصيبة، كان من السهل جني المال من العمل في الدعارة، فلم يكن يُسمح لرجال الدين في كامبريدج بالزواج حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكان العديد من الطلاب الجامعيين الشباب يملكون المال لإنفاقه.
تقول بيجز: “أصبح الآباء قلقين للغاية من أن يأتي أبناؤهم إلى كامبريدج ويتعرضون للتلوث من قِبل النساء المحليات”.
في عام 1825، أصدر البرلمان البريطاني قانونًا يمنح الجامعة قوة شرطة خاصة بها تتكون من رجال شرطة يُطلق عليهم لقب “البُلدُج”، للقيام بدوريات في المدينة ليلاً. وكانوا يعملون جنبًا إلى جنب مع مسؤولي الجامعة الذين يُطلق عليهم اسم “المراقبين”.
حسب الجارديان، أمضت بيجز خمس سنوات في الكشف عما حدث للنساء من خلال البحث في دفاتر الجامعة، إلى جانب تقارير المحكمة والسجلات الوطنية. عبر بحثها عرفت أن الفتيات كُن يُعتقلن ليلًا، ويؤخذن إلى زنزانة في السجن، تُعرف باسم “بيت الغزل/ Spinning House”.
خلال بحثها، اكتشفت “بيجز” أن العقوبات البدنية كانت تستخدم أيضًا، “ففي عام 1748، دفع نائب المستشار لمنادي المدينة 10 شلنات لجلد “10 نساء مشاغبات”، كما تُظهر حسابات “بيت الغزل”.
وكثيراً ما أدان مفتشو السجون السجن، الذي وصفه المؤرخ الاجتماعي هنري مايو في عام 1851 بأنه “رجس”، مشيرًا إلى أن حارس السجن “كان يسحب الفتيات من شعرهن إذا لم يلتزمن الصمت ويلقيهن في الحبس الانفرادي”.
وتقول بيجز: “كان السجن باردًا ورطبًا بشكل ملحوظ، وكان الطعام عبارة عن خبز فقط وفي بعض الأحيان عصيدة”.
وتلفت المؤرخة إلى أنه في إحدى الحالات، في ديسمبر 1846، توفيت فتاة بالغة من العمر 17 عامًا بعد أن قضت ليلة في زنزانة في سجن “بيت الغزل” حيث كانت النافذة مكسورة والسرير رطبًا.
تقول “بيجز” التي ستلقي محاضرة في جمعية “ميل رود” للتاريخ في كامبريدج هذا الأسبوع: “كانت جريمتها الوحيدة هي السير في محيط بيت دعارة برفقة صديقة لها. لقد شعرت بالذهول عندما قرأت لأول مرة التحقيق في وفاتها، ولم أتمكن من تدوين الملاحظات، بل أردت البكاء”.
وفي حالة أخرى، أوقف مراقبون زوجة أحد أعضاء المجلس وابنتها لأنهما كانتا تسيران أمام عضو المجلس دون مرافق، وتضف المؤرخة البريطانية الموقف بأنه “كان إهانة فادحة”.
وحسب الوثائق، أجرت الجامعة أكثر من 6000 عملية اعتقال، وتم احتجاز العديد من النساء عدة مرات لمدة تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في كل مرة.
أربع نساء
كان “بيت الغزل” مجرد إحدى الطرق التي استخدمتها الجامعة لممارسة “السلطة والسيطرة الكاملة” على سكان كامبريدج لقرون. كما سيطرت الجامعة على بيع النبيذ والمشروبات الروحية، وترخيص الحانات، ومدى الاعتمادات المسموح بها للطلاب.
وتؤكد “بيجز” أنه كانت هناك معركة قوة بين المدينة والجامعة في كامبريدج “التي لا تزال قائمة حتى اليوم، على حد اعتقادي، في بعض النواحي”.
وفي كتابها، تركّز على أربع نساء تحدين الجامعة في المحكمة بشأن اعتقالهن.
في عام 1891، سُمح للنساء المتهمات أخيرًا بالتمثيل القانوني بعد احتجاج على سلطات الجامعة ومعاملتها للنساء. كانت بينهن ديزي هوبكنز، البالغة من العمر 17 عامًا، عندما اعتقلت بتهمة “المشي مع أحد أعضاء الجامعة”، وحوكمت بشكل غير قانوني بتهمة مختلفة هي “السلوك غير الأخلاقي”.
وقد أسست قضيتها لسابقة مهمة في مجال المثول أمام القضاء لا تزال تُستشهد بها حتى اليوم. فقد أدت الفضيحة التي أعقبت ذلك إلى دفع البرلمان في عام 1894 إلى إلغاء ميثاق الجامعة -الذي يعود إلى عهد الملكة إليزابيث الأولى- وإزالة سلطة نائب رئيس الجامعة في اعتقال وسجن المشتبه بهم في ممارسة الجنس.
أيضًا، تم هدم مبنى “بيت الغزل” بعد ذلك بفترة وجيزة.
