اتجهت أرمينيا بصورة متزايدة نحو تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة من روسيا، التي تعد جنوب القوقاز جزءًا من مجال نفوذها التقليدي، قبيل الانتخابات البرلمانية، التي جرت الأحد، وسط تنافس سياسي يتداخل مع حسابات القوى الدولية في المنطقة.

وأبرز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، خلال حملته الانتخابية طموح بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أشاد بما وصفه بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن اهتمامه بتعزيز السلام بين أرمينيا وأذربيجان.

وجاء ذلك في وقت تزايدت فيه الضغوط الروسية على يريفان، بما في ذلك فرض قيود على واردات أرمينية من الزهور والفواكه والخضروات والمياه المعدنية والمشروبات الكحولية، بحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية.

ضغوط روسية

اعتبرت موسكو التقارب الأرميني مع الغرب تحديًا مباشرًا لنفوذها في المنطقة، خاصة بعد مشاركة باشينيان إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في فعالية سياسية استضافتها العاصمة يريفان، مايو الماضي، إذ تبادل الزعيمان الحديث باللغة الإنجليزية.

وحذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن عضوية أرمينيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي قد تحمل تداعيات اقتصادية كبيرة، مشيرًا إلى أن البلاد لا تستطيع الجمع بين عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه، كما تحدث عن احتمال خسارة ما يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي حال تراجع الاستثمارات الروسية.

مشروع ترامب

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مبادرة تحمل اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، التي تقوم على تطوير خط سكة حديد بطول 26 ميلًا داخل أرمينيا لربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ومنه إلى تركيا، بما يخلق ممرًا تجاريًا جديدًا يتجاوز الأراضي الروسية والإيرانية.

وفي الأثناء وقعت أرمينيا والولايات المتحدة عدة اتفاقيات، خلال زيارة قصيرة أجراها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى يريفان أواخر مايو، تضمنت إطارًا للتعاون بشأن المشروع، الذي ترى فيه الحكومة الأرمينية فرصة لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة.

إعادة تموضع

وسعى رئيس الوزراء الأرميني، خلال السنوات الأخيرة، إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الأرمينية بعد خسارة إقليم ناجورنو كاراباخ لصالح أذربيجان عام 2023، مع التركيز على تقليل الاعتماد الاقتصادي والأمني على روسيا والانفتاح على شركاء جدد في الغرب.

وإضافة إلى ذلك عملت الحكومة الأرمينية على تقديم البلاد كشريك محتمل للولايات المتحدة في مجالات المعادن الإستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك مشروع لإنشاء مركز ضخم للحوسبة والذكاء الاصطناعي، قد يصبح الأول من نوعه في منطقة جنوب القوقاز.

حسابات معقدة

أظهرت استطلاعات الرأي تقدم حزب “العقد المدني” بزعامة باشينيان، إلا أن قدرته على تنفيذ برنامجه السياسي ستتوقف على حجم الأغلبية البرلمانية التي سيحصل عليها، خاصة أن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي مع أذربيجان يتطلب تعديلات دستورية قد تحتاج إلى استفتاء شعبي.

وسرعان ما برزت تحديات أخرى أمام المشروع الأرميني الجديد، إذ تعارض قوى سياسية موالية لروسيا التقارب مع الغرب، بينما يعتمد نجاح مشروع الممر التجاري على توقيع اتفاق سلام نهائي مع أذربيجان وإعادة فتح الحدود مع تركيا، كما أن شبكة السكك الحديدية الأرمينية لا تزال تُدار بموجب امتياز طويل الأجل من قبل شركة السكك الحديدية الروسية.

وفي الوقت نفسه؛ تؤكد الحكومة الأرمينية أن سياستها تقوم على تحقيق التوازن لا القطيعة مع موسكو، مشددة على أن تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية يمثل ضرورة لبلد مغلق الحدود مع تركيا وأذربيجان ويعتمد على روسيا في أكثر من ثلث صادراته، بينما ترى أن التقارب مع الاتحاد الأوروبي قد يفتح أسواقًا جديدة ويسهم في تحديث مؤسسات الدولة على المدى الطويل.