رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر العالم في مجال الذكاء الاصطناعي وفق معظم المؤشرات، فإن الأشهر الأخيرة كشفت عن تحول لافت في موازين المنافسة مع الصين، التي باتت تقدم نماذج متقدمة تضاهي أفضل التقنيات الأمريكية، ولكن بتكلفة أقل بكثير؛ ما أثار تساؤلات متزايدة حول قدرة واشنطن على الحفاظ على ريادتها في هذا القطاع الاستراتيجي.

وبحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، فالولايات المتحدة تمتلك أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم، وتستضيف أكبر عدد من مراكز البيانات المخصصة لتدريب هذه النماذج، كما أن غالبية الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، صُممت من قِبل شركات أمريكية. إلا أن الصورة الذهنية العالمية بدأت تتغير مع تسارع الإنجازات الصينية.

وخلال الأسابيع الماضية، تمكنت شركات ناشئة صينية من إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي تقترب في أدائها من أحدث النماذج الأمريكية، بينما تقل تكلفتها التشغيلية بصورة كبيرة. ويعد ذلك ثاني إنجاز من هذا النوع خلال فترة لا تتجاوز الشهر، الأمر الذي زاد من حدة المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وفي السياق، استغل الرئيس الصيني شي جين بينج، المناسبة للتأكيد على رؤية بلاده لمستقبل الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى نظام عالمي قائم على التعاون الدولي؛ بدلًا من احتكار التكنولوجيا من قبل دولة واحدة؛ وأكد أن تطوير الذكاء الاصطناعي “يجب ألا يكون عرضًا منفردًا لدولة واحدة، بل سيمفونية من التعاون الدولي”.

الجودة بتكلفة أقل

ويرى مراقبون أن الصين تكرر في قطاع الذكاء الاصطناعي ما فعلته سابقًا في صناعات الإلكترونيات الاستهلاكية والسيارات الكهربائية، عبر إنتاج تقنيات تقترب كثيرًا من جودة المنافسين، لكنها تطرح بأسعار أقل بكثير.

وتثير هذه الاستراتيجية قلقًا متزايدًا في وادي السيليكون، حيث يدرك العاملون في قطاع التكنولوجيا أن المنتج “الجيد بما يكفي” غالبًا ما ينتصر على المنتج “الأفضل” إذا كان أقل تكلفة، وهو ما حدث سابقًا مع انتقال السوق من الحواسيب المركزية إلى الحواسيب الشخصية.

ويرى عدد من الخبراء أن مصدر القلق الحقيقي لا يكمن في سرعة التقدم الصيني فحسب، وإنما في احتمال أن تكون الشركات الأمريكية تسلك مسارا أكثر تكلفة وأقل كفاءة، سواء من حيث حجم الإنفاق أو أسعار الخدمات التي تقدمها، إلى جانب تأثير السياسات الحكومية على القطاع.

وقال ريهان أحمد، الشريك المؤسس لشركة “AlphaXiv”، إن “الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الأفضلية في هذا السباق، لكنها باتت أقرب من أي وقت مضى إلى خسارتها”.

فرصة للمنافسين

وشهدت الأشهر الأخيرة أيضًا جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة بشأن تنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ اضطرت شركة “Anthropic” إلى تعليق تشغيل اثنين من أقوى نماذجها بعد مطالب حكومية مفاجئة بمنع وصول المستخدمين الأجانب إليها، بمن فيهم بعض موظفي الشركة. كما أعلنت شركة “OpenAI” أن الحكومة تدخلت في عملية إطلاق أحد منتجاتها الحديثة.

وبررت الإدارة الأمريكية تلك الإجراءات بمخاوف تتعلق بإمكانية استخدام النماذج المتقدمة في تنفيذ هجمات إلكترونية أو المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية.

ورغم رفع هذه القيود لاحقا، لا تزال الشركتان تفرضان قيودًا صارمة على استخدام نماذجهما، بينما يواصل مسؤولوهما المطالبة بوضع أطر تنظيمية تحكم تطوير الذكاء الاصطناعي.

معركة “المصدر المفتوح”

وأحد أبرز محاور المنافسة يتمثل في فلسفة تطوير الذكاء الاصطناعي نفسها، ففي حين تعتمد الشركات الأمريكية الكبرى على نماذج مغلقة ومحدودة الوصول، تتبنى العديد من الشركات الصينية نهج “المصدر المفتوح”، الذي يسمح للمطورين حول العالم باستخدام النماذج وتعديلها بحرية.

ويقول ريان كريشنان، الرئيس التنفيذي لشركة “Vals AI”، إن المفارقة تكمن في أن “أكثر الحكومات سلطوية تنتج النماذج الأكثر مساواة من حيث الإتاحة، بينما تدعم الدولة التي تُعد الأكثر ديمقراطية شركات تتبنى نهجاً أكثر انغلاقاً”.

وأطلقت شركة “Moonshot AI” الصينية نموذجها الجديد “Kimi 3″، الذي تشير الاختبارات إلى أنه يقترب من أداء نموذج “Claude” التابع لشركة “Anthropic”، مع إعلان الشركة أنها ستوفره قريبا كمشروع مفتوح المصدر، إلى جانب تقديم نسخة تجارية عبر الإنترنت.

وأدى الإعلان إلى تراجع أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية، حيث انخفض مؤشر “ناسداك” بنسبة 1.4%، فيما تراجع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنحو 1%، بينما خسرت أسهم شركتي “Alphabet” المالكة لـ”Google” و”Meta” المالكة لـ”Facebook” و”Instagram” ما بين 2% و4%.

إلا أن بعض الخبراء اعتبروا هذا التراجع مبالغاً فيه، مؤكدين أن الأساسيات لم تتغير، وأن كثيرًا من المستثمرين لا يدركون بعد طبيعة المنافسة الحقيقية في قطاع الذكاء الاصطناعي أو نماذج الأعمال التي تعتمد عليها الشركات.

وقبل “Kimi 3″، كانت شركة “Z.ai” الصينية أطلقت نموذجًا حظي بانتشار واسع بين المطورين والشركات الناشئة في وادي السيليكون، لتصبح ستة من أكثر عشرة نماذج استخداماً على منصة “OpenRouter” نماذج صينية.

ورغم أن نماذج شركات مثل “Anthropic” و”OpenAI” لا تزال تتفوق في بعض الاختبارات المتخصصة، فإن انخفاض تكلفة النماذج الصينية، بفضل اعتمادها على المصدر المفتوح، يمنحها ميزة تنافسية متزايدة.

جدل حول نسخ التقنيات

في المقابل، تتهم شركات أمريكية منافسيها الصينيين بالاعتماد على أساليب غير مشروعة لتسريع تطوير نماذجهم، فقد أثارت شركة “DeepSeek” ضجة كبيرة مطلع عام 2024 بعد إطلاق نموذج مفتوح المصدر عالي الكفاءة، قبل أن تتهمها شركات أمريكية، بينها “OpenAI”، بالحصول على بيانات من نماذجها لتدريب أنظمة جديدة عبر تقنية تعرف باسم “التقطير” (Distillation).

كما اتهمت “Anthropic” شركة “Alibaba” بمحاولة نسخ تقنياتها عبر آلاف الحسابات المزيفة، مطالبة المشرعين الأمريكيين بالتدخل للحد من هذه الممارسات.

ورغم ذلك، يشير خبراء إلى أن تقنية “التقطير” أصبحت جزءًا شائعًا من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وأن أهميتها قد تتراجع مستقبلًا مع انتقال الصناعة إلى تطوير “وكلاء الذكاء الاصطناعي” القادرين على تنفيذ المهام بشكل مستقل.

العقوبات الأمريكية لم تعد كافية

كان كثير من المحللين يعتقدون أن القيود الأمريكية على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة ستحد من قدرة الصين على تطوير نماذج منافسة، إلا أن الشركات الصينية وجدت حلولاً بديلة، من خلال استئجار قدرات حوسبة في مراكز بيانات خارج الصين، إضافة إلى تطوير رقائق محلية واستخدامها جنبًا إلى جنب مع الرقائق الأمريكية التي تمكنت من الحصول عليها.

ويرى خبراء أن استمرار الولايات المتحدة في فرض قيود إضافية على شركاتها قد يمنح المنافسين الصينيين أفضلية أكبر، خصوصًا أن النماذج الصينية المفتوحة المصدر لا تفرض قيودًا تذكر على المستخدمين حول العالم.

ويختتم ريان كريشنان بالقول إن المنافسة أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أن “الشركات الأمريكية تواجه تحديًا حقيقيًا في ظل ازدياد قوة النماذج الصينية، فالنماذج المفتوحة مثل Kimi 3 لا يمكن عمليًا التحكم في كيفية استخدامها، وهو ما يمنحها انتشارًا أوسع وتأثيرًا أكبر في السوق العالمية”.