حذرت صحيفة واشنطن بوست من تصاعد حاد في حالات الإصابة بفيروس باوسان، أحد أخطر الأمراض التي ينقلها القراد في الولايات المتحدة، إذ ارتفعت الحالات المسجلة من 7 حالات عام 2015 إلى 76 حالة عام 2025، وفق بيانات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، وبينما يستهدف الفيروس الجهاز العصبي المركزي مُسببًا التهاب الدماغ والشلل وفقدان القدرة على الكلام، يؤكد الباحثون أنه لا علاج له ولا لقاح حتى اليوم، ويُرجحون أن الأرقام الحقيقية للإصابات أعلى بكثير مما تكشفه السجلات الرسمية.

فيروس يتمدد

وسُمي فيروس”باوسان” على اسم بلدة كندية في أونتاريو حيث اكتُشف عام 1958، وبينما سجلت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) سبع حالات فقط عام 2015، قفز هذا الرقم إلى 76 حالة عام 2025، في ظاهرة باتت تستدعي اهتمامًا علميًا متصاعدًا.

ويتركز انتشار الفيروس حاليًا في شمال شرق الولايات المتحدة والغرب الأوسط الأعلى، وينقله إلى البشر بصورة رئيسية قراد الغزال أو “القراد ذو الساق السوداء”، وهو القراد ذاته الذي يحمل مرض “لايم”، فضلًا عن قراد الغرير والسنجاب في المناطق الأكثر وعورة.

ربع ساعة تكفي

تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن ما يُميز فيروس باوسان عن غيره من مسببات الأمراض التي ينقلها القراد، هو سرعة انتقاله المفزعة، إذ يُحذر الدكتور سارافانان ثانجاماني، أستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة بجامعة SUNY ومدير مركزها لأمراض النواقل، من أن القراد الحامل للفيروس لا يحتاج إلا لنحو 15 دقيقة من التصاق بالجلد لينقل العدوى، على النقيض التام من مرض “لايم” الذي يتطلب التصاق القراد من 16 إلى 24 ساعة.

بل يذهب ثانجاماني إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن الخطر يتصاعد مع طول فترة التغذية، إذ إنه كلما مكث القراد أطول على جسد الإنسان، زادت كمية الفيروس المنقولة، وباتت احتمالية المرض الشديد أعلى.

رحلة الفيروس داخل الجسم

تكشف الدكتورة كاثرين فالنتاين، أستاذة الأمراض المعدية بكلية الطب في جامعة نيويورك، أن معظم المصابين لا يشعرون بأي شيء على الإطلاق، إلا أن من تظهر عليهم أعراض، يبدأ مشوارهم بحمى وإرهاق وآلام عضلية تُحاكي الإنفلونزا، وربما تنتهي عند هذا الحد.

غير أن الفيروس في حالات أخرى يُواصل زحفه نحو الجهاز العصبي المركزي ليُصيب الدماغ والحبل الشوكي، فتظهر خلال أسابيع أعراض عصبية مرعبة، منها تشوش ذهني، وارتباك في الكلام، وفقدان للتوازن، وتشنجات، وربما شلل.

وتُلاحظ فالنتاين أن الصورة السريرية كثيرًا ما تُشبه السكتة الدماغية، والفارق الدقيق أن السكتة تضرب فجأة في لحظة، بينما تتراكم أعراض باوسان تدريجيًا على مدى أيام.

وعلى صعيد الإحصائيات، فإن الأرقام، لا تبعث على الاطمئنان، إذ تبلغ نسبة الوفيات بين الحالات العَرَضية نحو 15%، ويُعاني نصف الناجين من اضطرابات عصبية مزمنة تتفاوت بين النسيان البسيط وصعوبات دائمة في الكلام والمشي، بل وأحيانًا في البلع.

ولا يتوفر حتى اليوم علاج محدد أو لقاح واقٍ، وتقتصر الرعاية على دعم الوظائف الحيوية، إلى جانب جلسات إعادة التأهيل الجسدي والمعرفي لمن يحملون تداعيات طويلة الأمد.

تغير المناخ يشعل الفتيل

توضح واشنطن بوست أن هذا الارتفاع ناتج عن سياق بيئي أوسع، إذ تُمدد درجات الحرارة المرتفعة موسم نشاط القراد ليتجاوز فصل الصيف، إذ باتت الإصابات تُسجَل في أشهر لم تكن تُعرف بهذا الخطر من قبل، وفق ما تؤكده فالنتاين.

كما تُسهم فصول الشتاء الأكثر دفئًا في تكاثر القوارض والغزلان التي تحمل القراد وتنقله إلى مناطق جديدة لم يصلها من قبل، بحسب ثانجاماني.

وما يزيد الأمر تعقيدًا أن كثيرًا من الحالات لا تظهر في الإحصاءات الرسمية أصلًا، إذ إن المصابين بأعراض خفيفة نادرًا ما يتوجهون للطبيب، والحالات الأشد لا يربطها الأطباء دائمًا بلدغة قراد، خاصةً حين لا يذكر المريض تعرضه لها أو لا يعلم بها أصلًا.