post-title
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا

 

تجد الهند نفسها عاجزةً بين الرسوم الجمركية الأمريكية الخانقة من جهة، والتوسع الصيني العسكري والاقتصادي من جهة أخرى، ما دفع نيودلهي لإعادة صياغة إستراتيجيتها الاقتصادية بالكامل، والبحث عن ملاذ آمن في أحضان القوى المتوسطة حول العالم.

شبكة تحالفات جديدة

أطلق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا الشهر الماضي، تحذيرًا صريحًا من “انهيار في النظام العالمي”، داعيًا “القوى المتوسطة إلى التحرك معًا” من أجل البقاء، وكانت رسالته مُوجَّهة بشكل مباشر إلى الهند.

وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، لاقت هذه الدعوة استجابة فورية من نيودلهي، التي باتت تدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في تعميق روابطها التجارية مع دول أخرى، وليس في العزلة الاقتصادية.

رغم أن الهند دولة كبيرة، بتعداد سكاني يبلغ 1.4 مليار نسمة، واقتصاد يحتل المرتبة الخامسة عالميًا إلى جانب اليابان وألمانيا، فإنها تفتقر لنقاط تحكُّم حاسمة في سلاسل الإمداد العالمية، كتلك التي تمتلكها الصين في المعادن النادرة، أو تايوان وهولندا في تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ما جعلها في موقف ضعيف أمام الشركاء المتقلّبين، مثل الولايات المتحدة، ومع اكتساح البضائع الصينية للأسواق العالمية وتمركز القوات الصينية في مناطق متنازع عليها على جبال الهيمالايا، أصبحت نيودلهي في أمسِّ الحاجة ليد العون ضد بكين.

“أم الصفقات” مع أوروبا

في غضون أسبوع واحد من تصريحات كارني، وقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في نيودلهي، ليعلنا عن “أم الصفقات”، وهي اتفاقية تجارية شاملة، تتضمن بنودًا دفاعية، كان الجانبان يكافحان لإتمامها منذ نحو 20 عامًا.

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن الاتفاقية تَعِد بسوق مُوحَّدة تضم ملياري شخص، ومضاعفة حجم التبادل التجاري خلال ست سنوات فقط.

هذه الصفقة ليست سوى البداية في موجة محمومة من النشاط الدبلوماسي، إذ انطلقت هذه الحركة المتسارعة باتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا، العام الماضي، بعد سنوات من الجمود، تلتها اتفاقيات مع سلطنة عمان ونيوزيلندا في ديسمبر الماضي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، توافد على نيودلهي قادة من ألمانيا واليابان والإمارات والسعودية، كلٌ منهم يحمل اتفاقية لتعزيز الروابط مع الهند، فيما من المقرر زيارة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، في فبراير المقبل.

هذه الاتفاقيات الثنائية تمثِّل تحوُّلًا جذريًا في توجهات الهند، إذ تراجعت سياسة مودي القائمة على الاعتماد على الذات لصالح الانفتاح الاقتصادي، إذ إنه لعقود طويلة، سادت قناعة بأن عُزلة الهند اقتصاديًا وتجنُّب الارتباطات التجارية المعقدة، هو أفضل وسيلة لحماية مصالحها، إلا أن الاتحاد الأوروبي وكندا ودولًا أخرى، تقدِّم اليوم رؤية مختلفة، وهي أن “القوة الحقيقية تأتي من تعميق الشراكات الاقتصادية وليس الانكفاء”.

مصالحة مفاجئة

يمثِّل الاتفاق المُرتقَب مع كندا تحوُّلًا مذهلًا في العلاقات بين البلدين، إذ إنه في أكتوبر 2024، طردت الهند وكندا العديد من دبلوماسييهما المتبادلين؛ في نزاع حول مقتل ناشط سيخي، كان يعيش بالقرب من فانكوفر.

لكن العلاقة بدأت بالتعافي بشكل واضح منذ حضور مودي قمة مجموعة السبع في ألبرتا، بدعوة من كارني، في يونيو 2025، قبيل صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية مباشرة، ومن المتوقع أن يقود كارني وفدًا كنديًا إلى نيودلهي، في مارس المقبل؛ لدفع اتفاقية تجارية جديدة.

البحث عن بدائل

تشير “نيويورك تايمز” إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التحوُّل هو الرسوم الجمركية الأمريكية القاسية، إذ فرض الرئيس دونالد ترامب، الصيف الماضي، رسومًا جمركية مُجمَّعة بنسبة 50% على معظم البضائع المستوردة من الهند، نصفها “تبادلي” والنصف الآخر عقوبة غير متوقعة على شراء النفط من روسيا.

حتى ذلك الحين، كانت 25 عامًا من الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والهند، تهدف لتعميق الروابط، جزئيًا لمواجهة القوة الصاعدة للصين.

وأوضحت الزميلة الباحثة في معهد بروكينجز في واشنطن، تانفي مادان، أن الهند كانت مترددة في الانحياز للولايات المتحدة ضد الصين؛ لأنها كانت تأمل في “أن تفعل بالصين ما فعلته الصين بالغرب”، وهو الحصول على مواهبهم وتقنياتهم، ومنافسة الصين في النهاية بشكل مباشر.

وأدَّت الرسوم الأمريكية لانكماش حاد في صادرات الهند إلى أكبر أسواقها، كما تراجعت عملتها بنسبة 7% مقابل الدولار العام الماضي، إلا أن نيودلهي عوَّضت ذلك بمضاعفة تركيزها على الإلكترونيات المُعفاة من الرسوم، وتوسيع حصتها السوقية في دول أخرى، بحيث نمت صادراتها الإجمالية فعليًا العام الماضي، رغم كل الضغوط.