
بعد سقوط فنزويلا، أحد أهم حلفائها في أمريكا اللاتينية، في قبضة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تجد الصين نفسها مرة أخرى في مفترق طرق، لكن هذه المرة مع كوبا، التي تتقاسم معها الروابط الأيدولوجية.
فهل تدخل بكين، التي اكتفت البيانات الرسمية تنديدًا بعملية اختطاف نيكولاس مادورو، في مواجهة مباشرة مع واشنطن دفاعًا عن هافانا.. أم تلتزم سياسة دبلوماسية تقتصر فقط على التنديد واستدعاء السفراء؟
تصعيد أمريكي
منذ العملية الأمريكية في كراكاس، حوّلت واشنطن اهتمامها بشكل متزايد نحو كوبا، الدولة الشيوعية، إلى جانب كولومبيا وجرينلاند. وصرّح ترامب بأن “كوبا تبدو وكأنها على وشك السقوط”، في إشارة إلى هشاشة وضعها الاقتصادي واعتمادها الكبير على النفط الفنزويلي المدعوم.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن أي تشديد إضافي للقبضة على صادرات النفط الفنزويلي سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في هافانا، التي تعاني في الأساس من نقص حاد في الوقود، وانقطاعات كهرباء واسعة، وأزمات معيشية تفاقمت منذ جائحة كورونا، إلى جانب إعادة فرض عقوبات أمريكية بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ضغط بلا تدخل عسكري
ويرى جيانج شي شيوي، مدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة شنجهاي، أن أي تحرك أمريكي ضد كوبا “لن يكون بالضرورة عسكريًا”، لكنه قد يتخذ أشكالًا أخرى، أبرزها فرض عقوبات أشد وخنق مصادر الطاقة.
وأوضح أن وقف الإمدادات النفطية الفنزويلية كفيل بدفع الاقتصاد الكوبي نحو مزيد من التدهور، مشددًا على أن الصين ستتجنب الانخراط في أي صدام مباشر بين واشنطن وهافانا، التزامًا بمبدأ راسخ في سياستها الخارجية يقوم على عدم تقديم دعم عسكري لطرف في مواجهة طرف آخر.
وتبدي إدارة ترامب ثقة في أن كوبا لن تصمد طويلًا من دون النفط الفنزويلي. وقال ترامب بعد اعتقال مادورو إن بلاده “لن تحتاج إلى اتخاذ أي إجراء” ضد كوبا، معتبرًا أن هافانا “لم يعد لديها دخل” بعد فقدان الدعم النفطي من كراكاس.
في السياق ذاته، لوّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه النظام الكوبي، بإمكانية تغيير النظام في هافانا، في تصريحات فسرها مراقبون على أنها جزء من استراتيجية أوسع لزعزعة استقرار كوبا عبر تشديد الضغط على فنزويلا.
دعم محدود
ورغم إدانة بكين العلنية لعملية اعتقال مادورو واعتبارها “انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي”، يرى خبراء أن دعمها العملي لكوبا سيظل محدودًا.
ويؤكد فولتون أرمسترونج، المسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية لشؤون أمريكا اللاتينية، أن الصين “لم تكن يومًا مستعدة للعب دور الراعي الرئيسي لكوبا”.
وأشار “أرمسترونج” إلى أن بكين قدمت مساعدات مالية محدودة، وشطبت بعض الديون الكوبية، لكنها لطالما ربطت أي دعم بتوقعات إصلاحية واضحة. وأضاف: “التضامن السياسي مهم، لكنه لا يطعم الناس. كوبا بحاجة إلى دعم ملموس، والصين تريد مقابلًا ملموسًا، وهو ما لا تملكه هافانا”.
وتعد الصين من أبرز الشركاء التجاريين لكوبا منذ أوائل الألفية، مع استثمارات تمتد من قطاع الطاقة المتجددة إلى الزراعة والصناعات الغذائية. كما شهدت السياحة الصينية إلى الجزيرة ارتفاعًا ملحوظًا بعد استئناف الرحلات الجوية المباشرة، إذ زاد عدد الزوار بنحو 50% خلال عام 2024.
لكن هذا التعاون، وفق خبراء، لا يرقى إلى مستوى مظلة إنقاذ اقتصادي شامل، في ظل حرص بكين على عدم تحويل كوبا إلى نقطة مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصًا في سياق دولي حساس يشمل ملفات كبرى مثل تايوان.
