لعقود طويلة، كانت اليابان تُعد عاصمة الروبوتات في العالم، فبعدما أبهر الباحثون اليابانيون العالم في سبعينيات القرن الماضي بأول روبوتات قادرة على المشي والإمساك بالأشياء، طوّروا لاحقًا روبوتات تعزف الموسيقى وتعتمد على الذكاء الاصطناعي، قبل أن تذهل شركة هوندا العالم عام 2000 بإطلاق الروبوت الشهير “أسيمو”.

 

هيمنة صينية

لكن اليوم، ومع احتدام السباق العالمي على تطوير الروبوتات البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لم تعد اليابان تتصدر المشهد، بل أصبحت الصين هي التي تقود السباق الآن.

وخلال قمة الروبوتات البشرية التي عُقدت أخيرًا في طوكيو، لم يعد السؤال المطروح هو كيف تحافظ اليابان على تفوقها، بل كيف يمكن للشركات اليابانية البقاء في سوق تزداد هيمنة الشركات الصينية عليه يومًا بعد يوم؟

ففي الوقت الذي كانت فيه الشركات اليابانية تستعرض حلولها البرمجية، كانت الروبوتات التي جذبت أكبر عدد من الزوار من إنتاج شركة Unitree Robotics الصينية، حتى إن بعض الشركات اليابانية استخدمت روبوتات الشركة الصينية نفسها لعرض تقنياتها.

ويكمن سر التفوق الصيني في سلسلة التوريد. فقبل سنوات قليلة، كانت الشركات الصينية تعتمد على اليابان وأوروبا للحصول على مكونات أساسية مثل الحساسات والمفاصل والمحركات الدقيقة. أما اليوم، فأغلب هذه المكونات تُصنع داخل الصين نفسها.

ويقول محللون إن بناء روبوت بشري متطور دون الاعتماد على مكونات صينية أصبح أمرًا بالغ الصعوبة. فالشركات الصينية لا تنتج الروبوتات فقط، بل تنتج أيضًا معظم الأجزاء التي تدخل في تصنيعها، من المحركات والمفاصل إلى البطاريات وأنظمة الاستشعار.

وقد أدى هذا التكامل الصناعي إلى انخفاض هائل في تكلفة الإنتاج، وهو ما منح الشركات الصينية ميزة يصعب على المنافسين اللحاق بها.

كما أن التكلفة كان لها دور كبير في انتشار الروبوتات الصينية، إذ تستطيع الشركات إنتاج آلاف الروبوتات البشرية سنويًا بأسعار تقل على 5000 دولار للوحدة الواحدة في بعض النماذج. وتُعد هذه الأسعار أقل بكثير من مثيلاتها في اليابان أو الولايات المتحدة أو أوروبا، ما يجعل الشركات الصينية قادرة على التوسع بسرعة أكبر.

ويقول خبراء الصناعة إن انخفاض تكلفة المكونات في الصين حدث بوتيرة لم تستطع أي دولة أخرى مجاراتها.

السيارات الكهربائية تقود ثورة الروبوتات

ويرتبط صعود الصين في قطاع الروبوتات ارتباطًا وثيقًا بنجاحها في صناعة السيارات الكهربائية. فعلى مدار سنوات، استثمرت بكين بكثافة في بناء سلسلة توريد محلية متكاملة للسيارات الكهربائية، تشمل كل شيء تقريبًا، من البراغي البسيطة إلى بطاريات الليثيوم المتطورة.

واليوم، أصبحت المصانع التي كانت تنتج مكونات السيارات الكهربائية تنتج أيضًا أجزاء الروبوتات. ويقول محللون إن أي شركة قادرة على تصنيع مكونات السيارات الحديثة تستطيع بسهولة نسبية الانتقال إلى سوق الروبوتات البشرية.

وفي مدينة شنجن التي أصبحت مركز صناعة التكنولوجيا في الصين، يمكن لشركات الروبوتات الحصول على أي قطعة تحتاجها خلال ساعات فقط. فبفضل شبكة ضخمة من الموردين والمصانع المحلية، يمكن تصميم قطعة صباحًا واستلامها مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في اليوم نفسه.

وتؤكد شركات الروبوتات الصينية أن أكثر من 90% من مكونات بعض الروبوتات تُصنع محلياً، باستثناء بعض الرقائق الإلكترونية المتقدمة التي لا تزال تُستورد من الخارج.

ورغم الاهتمام العالمي بالروبوتات البشرية الشبيهة بالإنسان، فإن الإنجاز الاقتصادي الأهم للصين يتمثل في أتمتة المصانع. ففي عام 2024، تجاوز عدد الروبوتات العاملة داخل المصانع الصينية مليوني روبوت، مع تركيب نحو 300 ألف روبوت جديد خلال عام واحد فقط، وهو رقم يفوق ما تم تركيبه في بقية دول العالم مجتمعة.

وفي المقابل، تراجعت عمليات تركيب الروبوتات الصناعية في أسواق كبرى مثل اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وكوريا الجنوبية.

الذكاء.. العقبة الكبرى

ورغم هذا التقدم الصناعي، لا تزال الروبوتات البشرية بعيدة عن تحقيق الوعود الكبيرة التي يتحدث عنها المستثمرون. فالروبوتات التي ظهرت وهي ترقص في الاحتفالات والعروض التلفزيونية الصينية تعتمد في معظمها على حركات مبرمجة مسبقًا، وليست قادرة بعد على اتخاذ قرارات معقدة في بيئات متغيرة كما يفعل البشر.

كما أن أغلب الروبوتات المباعة حاليًا تذهب إلى الجامعات ومراكز الأبحاث أكثر من استخدامها في الأعمال اليومية الحقيقية. حتى داخل المصانع، لا تزال كفاءة بعض الروبوتات البشرية لا تتجاوز 30% من كفاءة العامل البشري، وإن كانت الشركات تتوقع تحسن هذه النسبة تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.