
عاد ملف العلاقات الاقتصادية الإيرانية–الفنزويلية، ومصير الاستثمارات والمطالبات المالية المتراكمة لطهران، إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، في أعقاب إعلان الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية خاصة أسفرت عن اعتقال رئيس جمهورية فنزويلا، نيكولاس مادورو، ونقله إلى الأراضي الأميركية بمعية زوجته وما فتح ذلك من احتمالات لحدوث تحولات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة في هذا البلد الواقع في أميركا اللاتينية،
في هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن متابعة مطالبات إيران من حكومة فنزويلا مدرجة على جدول أعمال وزارة الخارجية.
وجاء ذلك خلال اجتماع مجلس الوزراء الإيراني برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان، حيث قدّم عراقجي تقريراً شاملاً حول آخر التطورات في فنزويلا، مشيراً إلى أن أعضاء السفارة الإيرانية ما زالوا متواجدين في مقر مهامهم في كاراكاس.
وعكست تصريحات عراقجي إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة، خصوصاً أن إيران تُعد من أكثر الدول التي راكمت شبكة معقدة من الاستثمارات والمشاريع والعقود طويلة الأمد في فنزويلا خلال العقدين الماضيين، في قطاعات الطاقة، والصناعة، والبنية التحتية، والإسكان، والزراعة، والتمويل.
وفي الإطار نفسه، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، فدا حسين مالكي، إن ما يجري في فنزويلا “أقرب إلى انقلاب داخلي منه إلى تدخل خارجي”. وأضاف، متحدثاً عن مصير المشاريع الاقتصادية الإيرانية، أن “الاستثمارات تتم داخل الدول، وليست أشياء يمكن نهبها أو الاستيلاء عليها بسهولة”، وحاول التقليل من أهميتها فقال: “إيران استثمرت لسنوات طويلة في فنزويلا، لكن خلال السنوات الأخيرة لم يستمر هذا المسار، وما تبقى من تلك الاستثمارات ـ بحسب ما سمعت ـ يقتصر على حدود مصنع واحد وبعض الأمور الأخرى”.
من التعاون السياسي إلى شراكة اقتصادية طويلة الأمد
وبالمقابل تحدثت وكالات محلية وأجنبية عن حجم الاستثمارات الإيرانية ومنها “يورونيوز” الفارسية التي رأت أن العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين إيران وفنزويلا دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، لا سيما بعد توقيع وثيقة التعاون الشامل لمدة 20 عاماً في عام 2022. ووفق أحدث الإحصاءات المتاحة حتى نهاية عام 2025، تم توقيع أكثر من 80 عقداً ومذكرة تفاهم من أصل 299 اتفاقاً جرى التوصل إليها بين البلدين خلال العامين الماضيين.
وعلى الرغم من أن الإحصاءات الجمركية الرسمية تشير إلى أن صادرات السلع والخدمات الإيرانية إلى فنزويلا لم تتجاوز 160 مليون دولار، إلا أن مصادر أخرى تقدّر أن حجم الصادرات الفعلية يتراوح بين 2 و3 مليارات دولار خلال عامين. ويعود هذا التفاوت الكبير إلى أن الجزء الأكبر من المبادلات جرى عبر آليات المقايضة المباشرة، خصوصاً مقايضة النفط الخام والذهب والمنتجات النفطية مثل البنزين، دون المرور بالقنوات الجمركية التقليدية أو تسجيل القيم بالدولار.
في المقابل، لم تتجاوز الصادرات الرسمية الفنزويلية إلى إيران 20 مليون دولار في أي وقت، بل إنها لم تصل حتى إلى مليون دولار خلال عام 2022، الذي يُعد ذروة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
النفط والغاز والبتروكيميائيات.. قلب التعاون الإيراني–الفنزويلي
يُعد قطاع الطاقة المحور الأساسي والأكثر كلفة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ففي مايو 2022، وُقّع عقد تحديث مصفاة “إل باليتو” بقيمة تقارب 110 ملايين يورو، ودخلت أجزاء من المشروع حيز التشغيل خلال عام 2023. كما يجري تنفيذ مشروع أوسع لتحديث مجمع باراغوانا التكريري، وهو الأكبر في فنزويلا، وتُقدّر القيمة الإجمالية لهذه المشاريع بأكثر من 460 مليون يورو.
وفي مجال النقل البحري، تعود صفقة بناء أربع ناقلات نفط من طراز أفراماكس بين شركة “صدرا” الإيرانية وشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) إلى الأعوام 2006–2007. وتُقدّر قيمة كل ناقلة بين 30 و35 مليون دولار، أي ما مجموعه 120 إلى 140 مليون دولار. وقد تم تسليم ناقلتي “سوروكايم” و”يوراكو”، فيما أكدت وسائل إعلام إيرانية نقلاً عن مسؤولين فنزويليين تسليم الناقلتين الثالثة والرابعة أيضاً.
كذلك، أعلن المدير التنفيذي لشركة التكرير والتوزيع الإيرانية (NIORDC) أن إيران قامت خلال عام 2024 وحده بإنتاج وإرسال أكثر من 1.7 مليون قطعة ومعدة تكرير إلى المصافي الفنزويلية.
وإلى جانب ذلك، شملت التعاونات إصلاح وتشغيل وحدات بتروكيميائية، لا سيما وحدات الأمونياك، وزيادة طاقات التخزين، وتعزيز أنظمة النقل والتحميل في ميناء خوسيه النفطي، إضافة إلى تزويد أنظمة الأتمتة والأجهزة الدقيقة، والتوصل إلى تفاهمات لمشاركة إيران في تطوير حقول النفط والغاز في فنزويلا.
صناعة السيارات
نشطت شركتا إيران “خودرو” و”سايبا” في فنزويلا منذ مطلع الألفية الجديدة، عبر شركة “فينير أوتو”، حيث ركّز التعاون على تجميع السيارات مثل سمند وبرايد ودنا وتارا، دون استثمارات صناعية واسعة النطاق. وتُقدّر قيمة هذه العقود في مراحلها المختلفة بين 50 و100 مليون دولار.
الجرارات والآليات الزراعية
في إطار التعاون الزراعي، أُسّست شركة “فينيران تراكتور” بمشاركة شركة “تصنيع الجرارات الإيرانية” والشركة الحكومية الفنزويلية (CVG) في ولاية بوليفار. وبلغت حصة الجانب الإيراني نحو 51%، برأسمال أولي قدره 16.323 مليون دولار، مقابل 15.861 مليون دولار للجانب الفنزويلي، أي استثمار إجمالي يقارب 32 مليون دولار.
ومنذ إطلاق أول خط إنتاج عام 2005، تم إنتاج أكثر من 8 آلاف جرار زراعي ونحو 10 آلاف معدة زراعية خلال ما يقرب من عقدين.
الكهرباء؛ دور محوري لمجموعة مِبنا
بالتزامن مع توقيع وثيقة التعاون طويلة الأمد، أصبحت مجموعة “مبنا” الإيرانية أحد أهم الشركاء في إعادة تأهيل البنية التحتية الكهربائية في فنزويلا. وشملت المفاوضات إصلاح المحطات القائمة، بناء محطات جديدة، وتحديث أنظمة النقل وحتى السكك الحديدية.
وبحلول عامي 2024–2025، دخلت هذه التعاونات مرحلة التنفيذ العملي، غير أن نقص السيولة لدى فنزويلا فرض اعتماد نموذج الدفع عبر المقايضة بالنفط أو المكثفات الغازية.
الإسكان.. مشاريع متعثرة ومطالبات غير مسددة
شاركت إيران خلال العقدين الماضيين في مشاريع إسكان واسعة في فنزويلا، بقيمة إجمالية أُعلن عنها بنحو 400 مليون دولار، وكان من المفترض أن تشمل بناء ما بين 10 و40 ألف وحدة سكنية. إلا أن المنفذ فعلياً تراوح بين 10 و20 ألف وحدة فقط.
وأدت الأزمة الاقتصادية في فنزويلا إلى تراكم ديون كبيرة على الحكومة الفنزويلية لصالح شركات إيرانية، أبرزها شركة كيسون، حيث تشير التقارير إلى أن جزءاً من هذه المطالبات لا يزال دون تسوية.
المصانع، والبيع بالتجزئة، والبنوك
في القطاع الصناعي، شاركت إيران في تنفيذ وتجهيز مصنع إسمنت سيرو أزول، الذي بلغت كلفة إنشائه نحو 395 مليون دولار بتمويل رئيسي من الحكومة الفنزويلية. كما تم إنشاء 13 مصنع ألبان بطاقة معالجة يومية تبلغ 360 طناً من الحليب.
وفي قطاع البيع بالتجزئة، افتتحت شركة “إتكا” الإيرانية عام 2020 متجر ميغاسيس في كاراكاس، باستثمار أولي قُدّر بنحو 10 ملايين دولار.
أما في المجال المالي، فقد أُسّس البنك المشترك الإيراني–الفنزويلي عام 2010 برأسمال 200 مليون دولار، بمشاركة بنك تنمية الصادرات الإيراني وبنك الصناعة الفنزويلي، لكنه أصبح عملياً شبه معطل بسبب العقوبات الأميركية. كما أعلنت فنزويلا عام 2015 عن تخصيص إيران خط ائتمان بقيمة 500 مليون دولار، دون وضوح بشأن حجم استخدامه أو آلية سداده.
التكنولوجيا، والدفاع، والزراعة خارج الحدود
امتد التعاون بين البلدين إلى مجالات الطائرات المسيّرة، وتحديث الزوارق السريعة، وتركيب صواريخ مضادة للسفن، وإنتاج أدوية نانوية وبيوتكنولوجية، ومنح دراسية تعليمية.
وفي إطار الزراعة خارج الحدود، خصصت فنزويلا لإيران مليون هكتار من الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل استراتيجية مثل الذرة وفول الصويا، ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسات وتخصيص الأراضي.
استثمارات في مهب الريح
في ظل اعتقال رئيس فنزويلا واحتمالات التغيير الواسع في بنية السلطة في كاراكاس، تبدو الاستثمارات والمطالبات الإيرانية في هذا البلد أمام اختبار غير مسبوق. وبين مشاريع منفذة وأخرى متعثرة، ونماذج دفع قائمة على المقايضة، تبقى مسألة استرداد الاستثمارات وتسوية الديون واحدة من أكثر ملفات السياسة الخارجية الإيرانية تعقيداً وتشابكاً، وهي ملف تقول طهران اليوم إنه بات في صدارة أولوياتها الدبلوماسية.
ضياع الاستثمارات من سوريا إلى فنزويلا
وفي سياق أوسع، لا يمكن قراءة القلق الإيراني حيال مصير استثماراته في فنزويلا بمعزل عن الخسائر الواسعة التي تكبّدتها إيران في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث أدّت التحولات الجذرية في بنية السلطة هناك إلى ضياع الاستثمارات الاقتصادية واللوجستية والعقارية التي راكمتها طهران على مدى سنوات طويلة من الحضور السياسي والعسكري والتي بلغت 30 مليار دولار حسب العضو السابق في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه.
وكسبت فنزويلا، من هذا المنظور، أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة لإيران، إذ شكلت الركيزة الأهم للحضور الإيراني في أميركا اللاتينية، على نحو شابه الدور الذي لعبته سوريا بشار الأسد بوصفها حجر الزاوية للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وعليه، فإن خطر فقدان الاستثمارات الإيرانية في فنزويلا لا يُنظر إليه في طهران كخسارة مالية فحسب، بل كتهديد مباشر لموقعها الجيوسياسي خارج محيطها الإقليمي التقليدي.
وفي ظل اعتقال رئيس فنزويلا واحتمالات التغيير الواسع في بنية السلطة في كاراكاس، تبدو الاستثمارات والمطالبات الإيرانية في هذا البلد أمام اختبار غير مسبوق. وبين مشاريع منفذة وأخرى متعثرة، ونماذج دفع قائمة على المقايضة، تبقى مسألة استرداد الاستثمارات وتسوية الديون واحدة من أكثر ملفات السياسة الخارجية الإيرانية تعقيداً وتشابكاً، وهو ملف تقول طهران اليوم إنه بات في صدارة أولوياتها الدبلوماسية حسب عباس عراقجي.
