مع غروب شمس السبت في إسطنبول، تجلت أزمة متصاعدة تهدد بإعادة تشكيل مستقبل تركياالسياسي والاقتصادي. فقد تم احتجاز عمدة المدينة الشهير، أكرم إمام أوغلو، وإيقافه عن منصبه، مما أحدث زلزالًا في المشهد السياسي وأسواق المال على حد سواء.

في نفس اللحظة تقريبًا، أعلنت السلطات المالية التركية عن تدابير تنظيمية واسعة النطاق تهدف إلى تعزيز اقتصاد هش يزداد ضعفاً بسبب تشكك المستثمرين وتصاعد الاضطرابات الشعبية، بحسب تقرير لموقع “CTOL Digital Solutions” اعتقال سياسي يهز البلاد

إمام أوغلو، البالغ من العمر 54 عامًا، والمرشح الأقوى للانتخابات الرئاسية لعام 2028، تم اعتقاله بتهم تشمل الرشوة، وجمع البيانات بشكل غير قانوني، والارتباط بمنظمات إجرامية، وفقًا لوزارة الداخلية التركية. وامتدت الاتهامات إلى رئيسي بلديتين في منطقتي بيليك دوزو وشيشلي، في خطوة يراها كثيرون تصعيدًا ضد المعارضة المحلية.

وقال أحد المحللين، طالبًا عدم الكشف عن هويته: “هذه ليست مجرد مسألة قانونية، بل سياسية بامتياز. شعبية إمام أوغلو كانت مصدر قلق، وإبعاده الآن يرسل رسالة قوية.”

وأشعلت هذه الخطوة موجة من الاحتجاجات في كبرى المدن التركية، بينما أعلن حزب الشعب الجمهوري عن عزمه تعيين عمدة مؤقت للطعن في قرار الاعتقال.

تداعيات اقتصادية

في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، فرضت الهيئة التنظيمية للأسواق المالية التركية حظرًا لمدة شهر على عمليات البيع على المكشوف، كما خففت متطلبات نسب الأسهم في المعاملات الائتمانية، في خطوة تهدف إلى توفير السيولة وتقليل الذعر في الأسواق.

لكن الأسواق أعطت حكمها سريعًا، إذ هبطت الليرة التركية إلى مستويات تاريخية، وواجهت الأسهم عمليات بيع واسعة قبل أن تتدخل أدوات الحد من الخسائر. وأدى ذلك إلى ارتفاع عائدات السندات السيادية، في إشارة إلى تزايد مخاطر الاستثمار في البلاد.

وقالت أحد المؤسسات الاستثمارية الأجنبية: “هذه استجابات تكتيكية لأزمة إستراتيجية. يمكنك حظر البيع على المكشوف، لكن لا يمكنك إلغاء المخاطر السياسية بقوانين مالية.”

وأفاد تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، بأن مسؤولي البنك المركزي أنفقوا 12 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية الأسبوع الماضي لدعم الليرة، بعد أن وصلت إلى مستوى قياسي منخفض تجاوز 40 ليرة للدولار.

ويخشى الاقتصاديون من أن ثقة المستثمرين تتعرض لضربة ستقوض جهود قادة الاقتصاد التركي على مدى الأشهر الـ21 الماضية للعودة إلى السياسة النقدية التقليدية ومعالجة مشكلة التضخم الجامح في البلاد.

ويضطر وزير الخزانة محمد شيمشيك، الذي عُين في يونيو/حزيران 2023، الآن إلى تنفيذ إجراءات طارئة مثل إنفاق مستويات قياسية من احتياطيات العملات الأجنبية لدعم الليرة المتعثرة، مما يعقد خططه طويلة الأجل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وقال بوراك دالجين، عضو البرلمان عن ولاية باليكسير، لشبكة “CNBC”: “تبخر قدر كبير من الاحتياطيات الأجنبية، التي تراكمت على مدى العام الماضي، في غضون أيام. ما يعد بالتأكيد ضربة لبرنامج شيمشيك الاقتصادي”.

تركيا بين الاستقرار الاقتصادي والتراجع الديمقراطي

لا تقتصر التداعيات على الأسواق، بل تمتد إلى المشهد السياسي برمته، حيث تعزز خطوة اعتقال إمام أوغلو المخاوف بشأن تآكل المؤسسات الديمقراطية في تركيا.

ويتابع المراقبون الدوليون التطورات عن كثب، خاصة في ظل الدور الجيوسياسي الحساس لتركيا وعلاقاتها المتوترة مع الاتحاد الأوروبي.

في الأيام المقبلة، تبقى تركيا أمام مفترق طرق حرج. فبينما تسابق السلطات الزمن للحفاظ على الاستقرار المالي، يظل التساؤل الأكبر: هل ستمضي البلاد نحو مزيد من القمع السياسي، أم أن تصاعد الضغوط سيدفع باتجاه انفراجة؟