تشهد القدرات الدفاعية الجوية لألمانيا تراجعًا ملحوظًا في ظل نقص حاد في منظومات باتريوت الأمريكية الصنع، وهو ما يثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط العسكرية والسياسية في برلين، خصوصًا مع استمرار التوترات مع روسيا وتزايد التهديدات الصاروخية المحتملة.

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن ألمانيا أصبحت أكثر عرضة للهجمات الجوية أو الصاروخية، بعد أن نقلت جزءًا كبيرًا من منظومات إم آي إم-104 باتريوت بعيدة المدى إلى أوكرانيا منذ بداية عام 2023، ضمن جهود دعم كييف في مواجهة الحرب مع روسيا.

وتفاقمت المشكلة مع نشر ما تبقى من هذه الأنظمة لحماية الأجواء البولندية على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) اعتباراً من أواخر عام 2025.

تأتي هذه التطورات في وقت بالغ الحساسية، ويأتي ذلك في توقيت حساس على الصعيد الأمني الأوروبي، حيث عززت برلين حضورها العسكري في شرق أوروبا. ففي 22 مايو/أيار 2025، أعلن الجيش الألماني تدشين اللواء المدرع الخامس والأربعين في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، على مسافة تقارب 150 كيلومترًا فقط من العاصمة البيلاروسية مينسك، وأقل من 800 كيلومتر من موسكو.

وتتابع روسيا هذه التحركات عن كثب، بالتزامن مع مواصلتها تطوير ترسانة من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية المتوسطة والبعيدة المدى القادرة على بلوغ العمق الأوروبي، إضافة إلى حصولها على صواريخ بوكوكسونغ-2 الباليستية من كوريا الشمالية.

نضوب المخزون واستنفاد القدرات

كانت ألمانيا من أوائل الدول التي بادرت بتزويد أوكرانيا بمنظومات “باتريوت” مطلع عام 2023، إلى جانب هولندا والولايات المتحدة. وفي أبريل/ نيسان 2024، أعلنت وزيرة الخارجية الألمانية آنذاك، أنالينا بيربوك، بوضوح أن بلادها لم تعد قادرة على تقديم المزيد من الدعم العسكري من هذا النوع، قائلة: “للأسف، نفدت المخزونات، وخاصة منظومات باتريوت الخاصة بنا، إلى حد كبير”.

وأضافت بيربوك: “أوضحت خلال اجتماع وزراء خارجية الناتو أننا بحاجة إلى البحث عن جميع المنظومات المتاحة في أوروبا والعالم، وبذل أقصى الجهود لتوفيرها لأوكرانيا”. غير أن نشر المنظومات المتبقية في بولندا العام التالي زاد من حدة الضغط على الدفاعات الجوية الألمانية، خاصة مع استمرار الطلب المتزايد على هذه الأنظمة نتيجة استهدافها وتدمير بعضها في أوكرانيا.

تأخير في التسليم وأولويات أمريكية ملحة.

ورغم محاولة برلين معالجة هذا النقص، بتعاقد وزارة الدفاع الألمانية عام 2024 على شراء ثماني منظومات باتريوت جديدة من الولايات المتحدة، بتكلفة تصل إلى 2.33 مليار دولار للمنظومة الواحدة، بهدف تعويض تلك التي تم التبرع بها لأوكرانيا، إلا أن عملية التسليم تواجه تأخيرات كبيرة، في ظل الضغوط المتزايدة على المخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أكدت في يوليو/تموز 2025 أن مخزونها من الصواريخ الاعتراضية لمنظومات باتريوت انخفض إلى نحو 25 في المئة فقط من المستوى الذي يعتبره البنتاغون ضروريًا، بعد التبرعات الكبيرة لأوكرانيا والاستخدام المكثف لهذه الأنظمة في عمليات عسكرية أخرى، بينها الاشتباكات مع إيران.

وتشير تقارير غربية صدرت في 5 مارس/آذار 2026 إلى أن الجيش الأمريكي استخدم أكثر من 800 صاروخ اعتراضي خلال خمسة أيام فقط من تلك المواجهات.

وفي ظل هذا الاستنزاف، يُتوقع أن تعطي الولايات المتحدة الأولوية لتجديد مخزونها العسكري أولًا، وربما لتلبية احتياجات حلفاء آخرين مثل تايوان. كما يُرجح أن تلجأ واشنطن إلى سحب صواريخ اعتراضية من قواعدها في كوريا الجنوبية أو طلب إعادة إمدادات من الدول المشغلة لهذه المنظومات.

وتعني هذه التطورات أن ألمانيا قد لا تحصل على أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية الجديدة قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، وهو ما يترك فجوة واضحة في قدراتها الدفاعية الجوية في مرحلة تشهد تصاعدًا في التوترات الأمنية في أوروبا.