
وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات حادّة لبريطانيا بسبب اتفاق تسليم جزر تشاجوس إلى جمهورية موريشيوس، واصفًا الصفقة بأنها “عمل من أعمال الغباء”، وذلك في توقيت حسّاس تشهده العلاقات بين واشنطن ولندن، مع تصاعد الجدل السياسي والأمني بشأن مستقبل القاعدة العسكرية المشتركة في دييجو جارسيا.
هجوم مباشر
وجاءت تصريحات ترامب صباح الثلاثاء، في سياق هجوم مباشر على خطة رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، إذ قال: “إن الاتفاق الخاص بتسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس يمثل عملًا غبيًا تمّ دون أي سبب على الإطلاق”.
وأضاف ترامب أن هذه الصفقة تشكّل مثالًا على سوء التقدير، مستشهدًا بها لتبرير دعوته المتكررة إلى سيطرة الولايات المتحدة على جرينلاند، وهو مطلب سبق أن ألحق أضرارًا واضحة بالعلاقات بين لندن وواشنطن، وفقًا لما أوردته صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، في تغطيتها لتداعيات التصريحات الرئاسية.
اتفاق تشاغوس
ووقّع السير كير ستارمر اتفاقية تشاجوس في مايو الماضي، بعد أن أعلن أنها السبيل الوحيد لحماية قاعدة دييجو جارسيا العسكرية من نفوذ دول مثل الصين، مؤكّدًا أن الاتفاق يضمن استمرار عمل القاعدة في ظلّ تحديات قانونية ودولية متزايدة.
ورحّب ترامب بالاتفاق العام الماضي، معتبرًا أن عملية التسليم قد تسير على ما يرام، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة الاطلاع على تفاصيله، في حين أبدى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مخاوف واضحة بشأن تداعيات الصفقة.
وبحسب “ذا تليجراف”، فإن منتقدي الاتفاق يرون أن العلاقة الوثيقة بين موريشيوس والصين تمثّل خطرًا أمنيًا محتملًا، إذ قد تتيح لبكين فرصًا للتجسس على العمليات العسكرية المستقبلية في القاعدة، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمنية الغربية.
سيناريوهات خطرة
وتناولت “ذا تليجراف” سيناريوهات وصفتها بالأكثر خطورة، من بينها احتمال أن تسلّم بريطانيا الجزر إلى موريشيوس، ثم تقدم الولايات المتحدة على شرائها من مالكها الجديد، في صفقة قد تستبعد لندن تمامًا من المشهد وتترك ستارمر في موقف محرج.
وأوضحت الصحيفة أن قاعدة دييجو جارسيا تعدّ واحدة من أقوى القواعد العسكرية في العالم، وتقع في موقع استراتيجي يحمي ممرات ملاحية حيوية، ويخدم عمليات تمتد من أفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا، مع وجود أمريكي واسع وملكية بريطانية نهائية حتى الآن.
ما هي تشاغوس؟
يعد أرخبيل تشاجوس، الذي تسمّيه بريطانيا إقليم المحيط الهندي البريطاني، مجموعة جزرٍ مرجانية تقع في موقع استراتيجي وسط المحيط الهندي، وقد خضع للسيطرة البريطانية رسميًا عام 1814 بموجب معاهدة باريس، بعد فترة من التنافس الاستعماري الأوروبي.
وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الجزر لم تكن مأهولة عند اكتشافها في القرن السادس عشر، ثم خضعت لاحقًا للإدارة الفرنسية قبل انتقالها إلى التاج البريطاني ضمن مستعمرات موريشيوس.
خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ارتبطت تشاجوس إداريًا بجمهورية موريشيوس، إلى أن أعادت بريطانيا رسم وضعه القانوني خلال الحرب الباردة. ففي عام 1965، وقّعت لندن وواشنطن اتفاقية لإنشاء إقليم المحيط الهندي البريطاني بهدف إقامة منشآت دفاعية واتصالات، في سياق موازنة النفوذ العسكري السوفياتي، وهو ما شكّل نقطة تحوّل مركزية في تاريخ الأرخبيل.
بين عامي 1965 و1973، نفّذت الحكومة البريطانية، بحسب وثائقها الرسمية وأحكام قضائية لاحقة، عملية إخلاء قسري لسكان تشاجوس الأصليين لإتاحة المجال أمام الاستخدام العسكري، وهو إجراء أصبح لاحقًا محور نزاع قانوني دولي، بلغ ذروته مع رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري عام 2019 الذي اعتبر أن إنهاء الاستعمار لم يتم بصورة قانونية.
الأهمية الاستراتيجية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لأرخبيل تشاجوس بالنسبة لبريطانيا والولايات المتحدة في جزيرة دييجو جارسيا، أكبر جزر الأرخبيل، التي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية بُنيت بعد أن أجّرتها بريطانيا لواشنطن عام 1971. ووفقًا للمصادر العسكرية الغربية، تعدّ القاعدة إحدى أهم نقاط الارتكاز الأمريكية في المحيط الهندي، نظرًا لموقعها البعيد عن مناطق الاضطراب المناخي وقربها من ممرات ملاحية حيوية.
واستخدمت قاعدة دييجو جارسيا، بحسب تقارير رسمية وإعلامية، في عمليات عسكرية كبرى شملت حرب الخليج الثانية، والحرب على أفغانستان عام 2001، وبدايات الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كما أشارت تقارير بعد أحداث 11 سبتمبر إلى استخدامها من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ما عزّز مكانتها في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية والبريطانية المشتركة.
وصوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2019 بأغلبية واسعة لصالح إعادة الأرخبيل إلى موريشيوس، واعتبرت استمرار الإدارة البريطانية تعدّيًا على حق تقرير المصير، بينما أكدت لندن في بيانات رسمية تمسّكها بالسيادة، قبل أن تعلن في أكتوبر 2024 نيّتها التنازل عن الأرخبيل مع الاحتفاظ بالقاعدة بموجب عقد تأجير طويل الأمد.
