تجاوز الدين الأمريكي عتبة الـ40 تريليون دولار، لتمتد تداعياته بعيدًا عن واشنطن وتضرب الأسواق الأوروبية في مقتل؛ إذ رصدت صحيفة “بوليتيكو” ارتفاعًا حادًا في تكاليف اقتراض الحكومات الأوروبية، بلغت معه عوائد السندات الألمانية أعلى مستوياتها منذ عام 2011. وفي الوقت ذاته، تجد دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا نفسها محاصرة بين ضرورة الإنفاق على التسليح وثقل الديون المتراكمة، وذلك على بُعد خطوات من انتخابات مصيرية قد تُعيد رسم خريطتها السياسية.

حرب على مدخرات العالم

تكشف صحيفة بوليتيكو أن ديون واشنطن المتراكمة لا تُشكل أزمةً أمريكية خالصة، بل باتت عبئًا مشتركًا تتقاسمه الحكومات حول العالم. فالأسواق المالية الدولية تعمل كمِرآة واحدة تعكس مخاوف المستثمرين في آنٍ واحد على ضفتَي الأطلسي، إذ تتنافس الحكومات الأوروبية مع واشنطن على اجتذاب المدخرات العالمية المحدودة، وهو تنافس ازداد حدةً هذا العام بعد أن توجهت عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، في سعيها لتمويل طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، إلى أسواق الدين بمئات المليارات من الدولارات، مُضيقةً الهامش المتاح للجميع.

وتجلى هذا الضغط المزدوج في ارتفاع حاد لتكاليف الاقتراض الحكومي، فقد بلغت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ عام 2011، بالتزامن مع قفز العائد على السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى ذروته خلال 19 سنة، وسط مخاوف متصاعدة من التضخم وتوسع العجز الأمريكي، فضلًا عن تداعيات الحروب والتحولات الديموغرافية وثورة الذكاء الاصطناعي التي تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

تراكم هادئ للمديونيات

توضح بوليتيكو أنه لا يمكن فهم هشاشة الوضع الأوروبي الراهن دون استحضار تاريخ من التراكم الهادئ للمديونيات، إذ ترصد المجلة نقلًا عن بيانات رسمية أن نسبة ديون القطاع العام في منطقة اليورو قفزت من 66% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2007 إلى ما يقارب 88% العام الماضي، مدفوعةً بأزمات متتالية كالانهيار المالي عام 2008 وجائحة كوفيد، إلى جانب تصاعد فاتورة الرعاية الصحية والتقاعد.

وتتوقع المفوضية الأوروبية استمرار هذا الارتفاع في المدى المنظور مع اتساع العجوزات الموازناتية تحت وطأة النزاعات المسلحة في إيران وأوكرانيا.

والأخطر في هذا السياق أن السندات التي أصدرتها الحكومات بتكاليف شبه معدومة قبل عشر سنوات، بل كان المستثمرون يدفعون لألمانيا مقابل إقراضها حتى عام 2022، باتت اليوم تستحق التجديد بأسعار فائدة أقرب إلى مستوياتها التاريخية الطبيعية، بعد أن رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرةً هذا العام، فيما يتوقع ديفيد ريس، رئيس الاقتصاد العالمي في شركة شرودرز، رفعين إضافيين بواقع ربع نقطة مئوية لكلٍ منهما حتى نهاية العام.

باريس في قلب العاصفة

تقف فرنسا في مركز هذا المشهد القاتم بامتياز، فعلى مدار سنوات، أضاعت باريس فرص تصحيح مسارها المالي، فأفقدت ثقة المستثمرين الذين باتوا يطالبون بعوائد أعلى على سنداتها مقارنةً بنظيراتها الإيطالية، وهي مفارقة لافتة بالنظر إلى السمعة التاريخية للبلدين.

وتُقدر هيئة الإحصاء الفرنسية INSEE أن فاتورة الفوائد على الدين العام ستتضاعف أكثر من أربع مرات خلال العقد الحالي، من 30 مليار يورو عام 2020 إلى 124 مليارًا في 2030، أموال كان يمكن توجيهها لبناء مستشفيات أو تمويل التحول الأخضر أو دعم التسليح أو حتى تخفيف العبء الضريبي على المواطنين.

وفي خضم هذا الواقع، استغلت زعيمة اليمين المتشدد مارين لوبان الموقف لتُطلق رسائلها الانتخابية مبكرًا، واصفةً الارتفاع في عوائد السندات بأنه “حساب لا مفر منه لعشر سنوات من الماكرونية”، ومطالبةً بـ”تطهير الإسطبلات التي تحولت إليها المالية العامة”، دون أن تُقدم أي تفاصيل عملية.

ورد عليها وزير المالية الأسبق برونو لو مير بأن حزبها هو من أعاق مساعي الحكومة المتكررة لضبط العجز، وأجبرها عام 2025 على التخلي عن إصلاح نظام التقاعد.

موسم انتخابي ساخن

لا تنفرد فرنسا بهذا الوضع الحرج، إذ يواجه كلٌ من رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني والرئيس الإسباني بيدرو سانشيز انتخابات مرتقبة العام المقبل، إلى جانب فنلندا واليونان وإستونيا وسلوفاكيا وبولندا خارج منطقة اليورو، غير أن البلدين يملكان هامشًا من عوامل التخفيف، فإيطاليا تُصدر سندات جديدة بتكاليف لا تختلف جوهريًا عما كانت تُصدره قبل عقد، متجاوزةً بذلك ذيول أزمة الديون السيادية التي أثقلت كاهلها آنذاك.

أما إسبانيا، فعلى الرغم من عجز سانشيز عن تمرير موازنة منذ عام 2022، أسهم النمو الديموغرافي الذي أتاحته سياسة الهجرة المرنة في تعزيز الناتج المحلي وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب، وهو ما يُتوقع أن يُعيد نسبة الدين الإسباني إلى ما دون 100% من الناتج المحلي هذا العام وفق توقعات المفوضية الأوروبية.