منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو حسم سريع مدعوم بتفوق عسكري كاسح. لكن مع مرور الوقت، تكشف واقع أكثر تعقيدًا؛ ضربات مكثفة تجاوزت عشرات الآلاف، وأهداف تتوسع من كبح البرنامج النووي إلى تقويض القدرات العسكرية وتغيير النظام، دون تحقيق نتيجة حاسمة على الأرض. في المقابل، واصلت طهران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما فتح باب التساؤلات حول مدى وضوح الاستراتيجية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهدافها في حرب تبدو أبعد ما تكون عن النهاية.

استراتيجية محل شك

منذ انطلاق العمليات في 28 فبراير، بدت واشنطن وكأنها تخوض حربا دون خطة متكاملة. في حين أعلن ترامب أن الهدف هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، سرعان ما توسعت الأهداف لتشمل تدمير القدرات الصاروخية والقضاء على البحرية الإيرانية ووقف دعم “الوكلاء” في المنطقة، فضلا عن تغيير النظام، بحسب صحيفة “ذا تايمز” البريطانية.

هذا التوسع، بحسب محللين، أرسل رسالة لإيران بأن الصراع “وجودي”، ما دفعها لتحمل كلفة أعلى والاستمرار في القتال.

ونفّذت الولايات المتحدة أكثر من 12,300 ضربة ضد أهداف إيرانية، شملت أنظمة الدفاع الجوي ومواقع الصواريخ الباليستية ومنشآت تصنيع الطائرات المسيرة ومراكز القيادة والسيطرة.

وعلى الرغم من هذه الضربات، فإن تقديرات استخباراتية تشير إلى أن نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية فقط دمر بشكل مؤكد وثلث آخر تضرر أو أصبح غير متاح، بينما لا يزال جزء معتبر من القدرات قائمًا.

وتؤكد البيانات استمرار إطلاق إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة نحو عدة دول في المنطقة، ما يعكس قدرة قتالية لم تحسم بعد، خلافًا لتصريحات دونالد ترامب التي تحدثت عن “انهيار شبه كامل”.

البحرية الإيرانية: تدمير نسبي وتهديد مستمر

على الرغم من أن ترامب أعلن “تدمير البحرية بشكل كامل”، فإن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ استطاعت تدمير أو تعطيل أكثر من 155 قطعة بحرية، فضلًا عن تراجع القدرة التقليدية على العمليات بعيدة المدى، لكن التهديد غير المتكافئ لا يزال قائمًا.

وفي مضيق هرمز، ظهرت أزمة جديدة مع فرض الحرس الثوري نظاما أشبه بـ”نقطة تفتيش بحرية”، ما يهدد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

الملف النووي: الهدف الأصعب

ورغم استهداف منشآت رئيسية مثل “نطنز”، لا يزال مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب غير محسوم. وتشير تقديرات دولية إلى أن إيران تمتلك ما يكفي لإنتاج ما يصل إلى 10 قنابل نووية إذا قررت التسليح، ما يجعل تحقيق الهدف الرئيسي -منع إيران نوويًا- مرهونًا بعمليات معقدة وعالية المخاطر، قد تتجاوز القصف الجوي إلى تدخلات خاصة.

شبكة الوكلاء

نجحت الضربات في إضعاف نفوذ إيران الإقليمي، لكن دون القضاء عليه إذ استمرت هجمات الحوثيين فضلًا عن ضربات ميليشيات في العراق، إضافة إلى نشاط حزب الله جنوب لبنان. ما يعني أن طهران لا تزال قادرة على استخدام أدواتها الإقليمية، وإن كان بوتيرة أقل.

النظام الإيراني

رغم استهداف قيادات عسكرية وأمنية بارزة، وعلى رأسها دوائر مقربة من علي خامنئي، لم ينهر النظام. بل على العكس تم تفويض الصلاحيات لقادة ميدانيين، وتصاعد القمع الداخلي واستمرار تماسك مؤسسات الدولة.

وأكدت “ذا تايمز” أن “إضعاف النظام لا يعني سقوطه”، خاصة في غياب تحرك داخلي واسع ومنظم.

وفي خطابه الأخير، أعلن ترامب أن الهدف “قارب على الاكتمال”، لكن التقييمات الميدانية تشير إلى أن القدرات الإيرانية تضررت لكنها لم تدمر.