
النمو في مهب الريح.. موجة الحر تُشعل أزمة اقتصادية في فرنسا
كشفت صحيفة ليزيكو الفرنسية عن أرقام صادمة نقلًا عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي)، تُظهر أن الاقتصاد الفرنسي يمر بأصعب مراحله منذ سنوات، إذ جمدت موجات الحر المتلاحقة عجلة النمو وأوصلت البلاد إلى حافة الركود التقني، في وقت تتضافر فيه أزمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية لتُثقل كاهل الميزانية وتُهدد مستهدفات العجز لعام 2026.
ركود على الأبواب
كشف “إنسي”، وفق ما نقلته ليزيكو، أن الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي راوح مكانه تمامًا في الربع الثاني من 2026، في تراجع واضح عن التقدير الأولي الذي أشار إلى نمو بنسبة 0.2%.
والأشد وطأةً أن المعهد ذاته نقح بيانات الربع الأول نزولًا، ليُسجل تراجعًا فعليًا بلغ 0.2% بدلًا من 0.1% كان قد أعلنها في وقت سابق.
وفي ضوء هذه الأرقام المتراكمة، لم يتردد الاقتصادي هادريان كاما من بنك ناتيكسيس في وصف المشهد بصراحة، قائلًا إن فرنسا “نجت بصعوبة من الركود التقني في النصف الأول من العام”، مؤكدًا أن مكسب النمو لا يتجاوز 0.3% حتى نهاية يونيو، وهو ما يجعل بلوغ المستهدف الحكومي البالغ 0.7% للعام بأسره أمرًا “بعيد المنال”، إذ يستلزم ذلك تحقيق نمو بنسبة 0.5% في كل من الربعين الثالث والرابع على التوالي.
الزراعة الضحية الأولى
لم يُحاول وزير الاقتصاد الفرنسي رولان لوسكور التهوين من حجم الكارثة، بل استقبل أرقام إنسي بعبارات حادة غير معتادة في الخطاب الرسمي، واصفًا إياها بأنها “الأثر الملموس الأول للصيف المروع الذي عشناه”، ومضيفًا أن التأثير الاقتصادي “مُرعب ومن الضخامة بمكان”.
وأوضحت ليزيكو أن القطاع الزراعي كان الضحية الأكبر، إذ دمرت موجات الحر المتتالية المحاصيل في مناطق واسعة من البلاد، تزامنًا مع ارتفاع غير متوقع في أسعار خدمات النقل ضمن قطاع الخدمات التجارية.
والأكثر إثارةً للقلق أن الوزير لوسكور حذر صراحةً من أن هذه التداعيات لن تتوقف عند حدود الربع الثاني، بل ستمتد آثارها إلى الربع الثالث أيضًا، مع توقعات بمواسم حصاد “بالغة الصعوبة” في عدد من المناطق.
المواطن يدفع الثمن
على الصعيد المعيشي، رسمت بيانات إنسي التي رصدتها ليزيكو صورة قاتمة للأسر الفرنسية، إذ تراجعت قدرتها الشرائية بنسبة 0.6% في الربع الثاني، بعد أن كان التراجع 0.2% في الربع السابق، ما اضطرها إلى النهل من مدخراتها لتغطية فجوة الإنفاق اليومي، وهو ما انعكس في هبوط معدل الادخار من 17.9% إلى 17.2% من الدخل المتاح.
وفي السياق ذاته، واصل التضخم صعوده ليبلغ 2.4% على أساس سنوي في أغسطس، بعد 2.1% في يوليو و1.8% في يونيو، وأرجع إنسي هذا التسارع أساسًا إلى اشتعال أسعار الطاقة والمنتجات النفطية، غير أن ثمة بصيص أمل في جانب الاستهلاك، إذ أشار المعهد إلى أن إنفاق الأسر على السلع لا يزال يُبدي صمودًا نسبيًا، بارتفاع بلغ 0.5% في يوليو عقب 0.6% في يونيو.
عجز يتجاوز السيطرة
تجتمع اليوم على الاقتصاد الفرنسي عوامل ضغط متشعبة تجعل ميزانية 2027 أمام اختبار وجودي، وفق ما رصدته ليزيكو، إذ إن مستهدف العجز المحدد بـ5% من الناتج المحلي لعام 2026 يبدو مهددًا في ظل ضعف النمو، يُضاف إليه ثقل الإنفاق العسكري ودعم الأسر المرتبط بتداعيات التوترات في منطقة الشرق الأوسط وأزمة مضيق هرمز التي تُغذي أزمة طاقة ممتدة.
وأقر الوزير لوسكور بهذا الواقع صراحةً قائلًا: “آمل أن نكون قريبين قدر الإمكان من نسبة الـ5%، لكن الأمر ليس محسومًا”.
من جهته، حدد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أبعاد المعادلة الصعبة بدقة، مستعرضًا ما وصفه بـ”الفوضى الدولية” الناجمة عن أزمة هرمز وتأثيرها على النمو والأسواق المالية، فضلًا عن “فوضى داخلية” مرتبطة بالاضطراب السياسي واستحقاقات الانتخابات الرئاسية المقبلة التي تُضفي على المشهد مزيدًا من الضبابية.
