عندما يتم الحديث عن عبور قناة السويس في حرب أكتوبر 1973، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الجنود والقوارب والطائرات والدبابات، لكن وراء استمرار عملية العبور كانت هناك مهمة شديدة التعقيد تولتها وحدات المهندسين العسكريين، التي واجهت الساتر الترابي والعقبات الهندسية التي أقامتها القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية.
كان الساتر الترابي يمثل تحديًا كبيرًا أمام القوات المصرية، لأنه كان مرتفعًا وممتدًا على طول القناة، وكان الهدف من وجوده إعاقة القوات المهاجمة ومنع انتقال المعدات الثقيلة بسهولة إلى سيناء.
ولذلك احتاجت القوات المسلحة إلى وسيلة عملية وسريعة لفتح ممرات داخل الساتر، خاصة أن استخدام المعدات التقليدية كان سيحتاج إلى وقت طويل ويعرض القوات لخطر أكبر.
المياه في مواجهة الساتر الترابي
لعبت وسائل المياه دورًا مهمًا في التعامل مع الساتر الترابي، إذ استخدم المهندسون مضخات المياه لإزالة كميات كبيرة من الرمال وفتح ممرات تسمح بمرور القوات والمعدات.
وكانت المهمة تتطلب دقة كبيرة، لأن فتح الممرات لم يكن الهدف النهائي، وإنما كان يجب بعدها تأمينها وإنشاء المعابر والكباري اللازمة لنقل الدبابات والمعدات والذخائر إلى الضفة الشرقية.
وتظهر الصور الأرشيفية المنشورة عن حرب أكتوبر عددًا من مشاهد المهندسين العسكريين أثناء الحرب، وهو ما يعكس حجم الدور الذي لعبته هذه الوحدات في نجاح عملية العبور. (اليوم السابع)
وقد ارتبط نجاح المهندسين بالتنسيق مع باقي أفرع القوات المسلحة، إذ كان عليهم العمل تحت حماية القوات المختلفة وفي ظروف قتالية صعبة، مع ضرورة إنجاز المهام بسرعة حتى لا تتوقف حركة القوات شرق القناة.
ولم تكن أعمال المهندسين مرتبطة فقط بالساتر الترابي، وإنما شملت إقامة الكباري وإنشاء المعابر والتعامل مع العوائق المختلفة التي يمكن أن تعرقل تقدم القوات.
وتحولت هذه الجهود إلى عنصر أساسي في نجاح المرحلة الأولى من الحرب، لأن أي تأخير في فتح الممرات كان يمكن أن يؤثر على انتقال القوات الثقيلة.
وتؤكد تجربة أكتوبر أن الانتصارات العسكرية لا يصنعها سلاح واحد أو وحدة واحدة، وإنما تتحقق من خلال تكامل الأدوار. فبينما كانت القوات المقاتلة تخوض المعارك، كان المهندسون يعملون على فتح الطريق أمامها.
ولهذا يستحق دور المهندسين العسكريين مكانة بارزة في قصة نصر أكتوبر، باعتبارهم من أصحاب المهام التي ربما لا تظهر دائمًا في الصورة، لكنها كانت ضرورية لنجاح واحدة من أهم عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث.



