بدأ الاهتمام بتحسين الرفاه البشري مع الحفاظ على الحدود البيئية يتخذ زَخَمًا كبيرًا على الصعيد العالمي. فعلى مدار عشرات السنوات ركزت بلدان العالم قاطبةً في دفع عجلة التنمية المستدامة ورفاه الأفراد، إلا أن هذا جاء على حساب رأس المال الطبيعي المحيط؛ الأمرُ الذي أفضى إلى أضرار بيئية جسيمة. والآن، وبداعي السعي وراء تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، انتقل التركيز إلى الموازنة بين التنمية الاقتصادية وانبعاثات الكربون ومتطلبات الرفاه البشرية بُغْيَةَ تحقيقِ الاستدامة الشاملة. ومع ذلك، فلا يزال قياس الاستدامة أمرًا تشوبه كثيرٌ من الصعوبات. وقد طرح الباحثون أخيرًا مؤشِّر كثافة الكربون للرفاهة البشرية (CIWB)، وهو مؤشر يقيس نسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مِن صنع البشر إلى قياسٍ موضوعيٍّ للرفاه البشري، كوسيلةٍ مُحتملة لقياس الاستدامة. ويقيس هذا المؤشِّر التنمية المستدامة بناءً على أداء البيئة فيما يتعلق بالرفاه البشري. لطالما كانت ثنائيةُ البيئة-التنمية موضوعَ كثيرٍ من النقاشات الشائكة، ومع هذا فقد انصبَّ التركيز الأساسي للعمل البحثي على العلاقة بين النتاج المحلي الإجمالي وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، دون اهتمامٍ كافٍ ببنية النتاج المحلي الإجمالي.
تقع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت وطأة ضغطٍ كبيرٍ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبخاصة فيما يتعلق بالتوفيق بين متطلبات التنمية فيها وبين الرفاه البشري والبيئي. فبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عُرضةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ لتغير المناخ بتبِعاته واسعةِ النطاق التي تتجاوز مجرَّدَ زعزعةِ الاقتصاد، إذ تصل إلى الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها أن تُفْضِيَ إلى تآكل النسيج المجتمعي وتقويضِ الثقة بالكيانات الحكومية. علاوة على ذلك، تتسم البِنَى الإنتاجيةُ في هذه المنطقة بكثافة العمالة واعتمادها الكبير على الطاقة وإنتاجها الهائل للملوثات، الأمرُ الذي يؤدي بدوره إلى تفاقُم الآثار البيئية الكبيرة بالفعل. ولهذا فمن شأن المراجعة المتعمقة للتفاعلات بين عناصر الرفاه والتكامل البيئي والبنية الإنتاجية أن يقدِّمَ إلينا رؤًى وأفكارًا حول الموقف الإقليمي عامةً فيما يتعلق بالتنمية المستدامة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ورقة السياسات التي بين أيدينا تسعى إلى النظر في مسار الاستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر استكشاف التفاعُل بين التنمية الاقتصادية وتطور البنية الإنتاجية والاستدامة البيئية والرفاه. ويشير البحثُ التجريبيُّ المستنِدُ إلى البيانات المجمعة من 14 بلدًا من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الفترة ما بين 1998 و2019 إلى وجود ارتباطٍ عكسيٍّ بين مؤشِّر التعقيد الاقتصادي (ECI) -كوسيلةٍ لقياس تطور البنية الإنتاجية- ومؤشر كثافة الكربون للرفاه البشري -كوسيلةٍ لقياس الاستدامة- الأمر الذي يشير إلى أن ارتفاع مستويات التعقيد يمكنه المسارعةُ في تقدم بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو التنمية المستدامة. يُمكننا أيضًا ملاحظة وجود ارتباطٍ عكسيٍّ بين الانفتاح التِّجاري والتمدد العمراني وكثافة السكان ومؤشر كثافة الكربون للرفاه البشري. على الناحية الأخرى، تشير الإحصاءات إلى وجود علاقة طردية بين استهلاك الطاقة والمكون الصناعي من النتاج المحلي الإجمالي وبين مؤشر كثافة الكربون للرفاه البشري، الأمر الذي يشير إلى الضرر البيئي الذي يسببه الاعتماد على المصادر غيرِ المتجددة، علاوة على هشاشة التقنيات الصناعية وقِدَمِها، ما يؤكد على الحاجة إلى إحداث تحوُّلٍ هيكلي. وبناءً على النتائج التي توصلت إليها هذه الورقةُ، فإن هناك عددًا من التوصيات الفعالة والمتماسكة، منها:
1- تحسين درجة تعقيد الاقتصاد وتطوُّره عن طريق إسراعِ تحوُّلِهِ الهيكلي من اقتصاد معتمِد على الطاقة إلى اقتصاد مدفوع بالتكنولوجيا.
2- المشاركة في إستراتيجيات مبتكرة لتخفيف الآثار السلبية، مثل: تقنيةِ احتجاز ِالكربون وتخزينِهِ.
3- توطين العمل المناخي من خلال مراجعة المساهمات المحددة وطنيًّا وتطويرها، وطرح سبُل تمويل عادلة وفعالة ومناسبة للسلطات المحلية، ودعم دور الأطراف غير الحكومية وشبه الوطنية الفعالة.
4- دعم كفاءة استهلاك الطاقة والاستثمارات الخضراء من خلال تقديم قروض ومنح خضراء إلى مشروعات ومبادرات كفاءة استهلاك الطاقة.