في الثاني من مارس/آذار الماضي، ألقى الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، خطابًا في إقليم “بريتاني” الفرنسيّ، يُعَدّ ربّما أهمّ خطابٍ حول السياسة النوويّة، يلقيه أيّ زعيم غربي منذ نهاية الحرب الباردة.
في خطاب جزيرة لونغ، قاعدة الغوّاصات النوويّة الفرنسيّة، أفصح ماكرون عن تحولٍ إستراتيجيّ فرنسيّ يتعلّق بالقوّة النوويّة.. ما الذي عرضه بالفعل؟
باختصارٍ غير مُخِلّ، بسط رداءً من الحماية النووية الفرنسية لأوروبا، عبر ما بات يُعرَف ب”الردع الفرنسي المتقدم”، أو ال Advanced deterrence، حيث يتمّ توسيع نطاق فاعلية المنظومة النووية الفرنسية لتشمل عموم القارة الأوروبية وليس فرنسا فحسب، مع إمكانيّة نشر طائرات نوويّة فرنسيّة في دول أوروبية أثناء الأزمات، والتعاون مع دولٍ أوروبيّة أخرى.
تقليديًّا كانت فرنسا تعتمد ما يُسَمَّى ب”الردع السياديّ” أو ال Force de dissuasion وذلك عبر ترسانة نوويّة قدرها 300 رأسٍ نوويٍّ، قرار استخدامها حصريٌّ في يد الرئيس الفرنسيّ، وهدفها حماية المصالح الفرنسية فحسب.
فرنسا اليوم تمضي في طريق زيادة عدد الرؤوس النووية التي تملكها من جهة، وإخفاء حجم ترسانتها النوويّة، أي اتّباع سياسة الغموض الإستراتيجيّ النوويّ من جانب آخر، وذلك بهدف تعقيد حسابات الخصوم، لا سِيَّما روسيا وإظهار أنَّ الردع ليس رمزيًّا.
في خطابه المشار إليه سلفًا، اعتبر ماكرون أنّ هذه التغيرات جاءت كرَدِّ فعلٍ على بيئة إستراتيجيّة غير مستقرّة بشكل متزايد، ومؤكدًا على أنّ السنوات الخمسين القادمة، ستكون “حقبة الأسلحة النوويّة”.
في الوقت عينه، أعلن سيد الإليزيه عن إطلاق غوّاصة جديدة مسلَّحة نوويًّا في عام 2036، والتي ينتظر أن تحمل اسم “التي لا تُقْهَر”.
ما الذي قصده ماكرون بلفطة بيئة غير مستقرة؟
الجواب ليس سرًّا، والمعنى واضحٌ للعامة والخاصة، وقد ظهر بشكل جليّ نهار الجمعة الأول من مايو/أيار الجاري، حين أعلن وزير الدفاع الأميركي “بيت هيغسيث” عن أمر بسحب نحو خمسة آلاف جندي من المانيا خلال عام، أي حوالي 15% من القوّات الأميركية المتمركزة في أوروبا.
لطالما تساءل الأوروبيون في السنوات القليلة المنصرمة، وبالتحديد من عند 2016: “هل نحن في مفترق طرق بعد ثمانية عقود من تحالف عضوي ربط بين جانبَيْ الأطلسي؟”
السؤال المتقدم، وضع دول القارة الأوروبية أمام مخاوف من غياب أهمّ مظلة حماية توافرت لهم طوال ثمانية عقود، ونعني بها المظلّة النوويّة الأميركيّة، والتي تبدو اليوم في مَهَبّ الريح، وقد يصحو جميعهم، في أيّ يوم من العامَيْن المقبلَيْن، على قرار تفكيكها وعودتها إلى الداخل الأميركيّ، ما يعني حدوث حالة انكشاف نوويّ أوروبيّ، في مواجهة صواريخ القيصر الروسيّ المذخرة بالقنابل النووية، ناهيك عن نظيرتها السابحة ضمن غواصات الأسطول الروسيّ العتيد في المياه الدولية، وبما يتهدّد أمن القارة الأوروبية حكمًا.
تنتقل أوروبا اليوم بقيادة فرنسا، من الاعتماد على المظلة النوويّة الأميركيّة، إلى محاولة بناء ردعٍ نوويٍّ أوروبيٍّ مستقلّ، ما يعني أن هناك تحولًا جذريًّا تجري به المقادير في صُلب العقيدة النووية الفرنسية.
يبدو الردع النوويّ الفرنسيّ المتقدم، كخطوة جريئة في طريق أهمّ تغيير في التفكير الإستراتيجيّ الفرنسيّ منذ عام 1960، ومع ذلك فإنه يحتفظ بالكثير من المفهوم الأصلي، كما حدَّده الرئيس آنذاك شارل ديغول.
على سبيل المثال، لن يتمّ تقديم ضمان صريح للدول الشريكة، وسيحتفظ رئيس فرنسا وحده بسلطة اتّخاذ القرار بشأن موعد إطلاق أيّ صاروخ نوويّ، حال القارعة.
هل يخشى البعض من توجه فرنسا النوويّ، لا سِيَّما بعد أن بات واضحًا أنّ الأوروبيين يبدون أكثر ميلًا لقبوله، وموافقة المملكة المتحدة والمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك على المشاركة في رسم معالم وملامح إستراتيجية الردع المتقدّم؟
في الواقع، ترتفع بعضُ الأصوات من الداخل الأوروبي منذرة ومحذرة من “المقترَح الماكرونيّ”، والذي يعزّز حسب رأيهم في نهاية المطاف، العودةَ إلى سياسات القوّة ومناطق النفوذ، والخوف من أنّ ما يقدمه ماكرون اليوم على سبيل تعزيز السلم، وتوفير الردع، أمرٌ يحمل في طَيَّاته عوامل استفزاز للجار القَدَريّ في روسيا الاتّحاديّة.
على موقع X، رَحَّب الرئيس البولنديّ، دونالد توسك، بالقرار الفرنسيّ قائلًا: “إنّنا نتسلّح مع أصدقائنا حتى لا يجرؤ أعداؤنا على مهاجمتنا أبدًا”.
هل يعني ذلك أنّ “الحقبة الجميلة الجديدة”، والتي امتدَّتْ من سقوط حائط برلين إلى غزو أوكرانيا قد انتهت؟”
ثمّ وهو الأهمّ: “هل يمكن للردع الفرنسي-البريطاني المشترك أن يحلّ محلّ الردع الموسَّع الأميركيّ؟”
يحاجج الكثير من المراقبين، بأنه على الرغم من الخطوات الفرنسيّة الخاصّة بوضع مظلّتها النوويّة في خدمة القارة الأوروبية، إلا أن ذلك لن يُغني عن الحاجة إلى المظلّة النوويّة الأميركية الأكبر والأوسع.
والشاهد حال ترجمة الكلام إلى الأرقام، فإنّ الثلاثمائة رأس نوويّ الفرنسي، على أهميتها، لا يمكنها أن تضارع ما تملكه روسيا، صاحبة أكبر ترسانة نووية في العالم، بأرقام تقدر بنحو 5580 رأسًا نوويًّا، من بينها حوالي 4309 ررؤوس نوويّة نَشِطَة حاليًّا، مركبة على صواريخ، أو منتشرة في قواعد عمليّاتيّة.
من هنا يمكن للقارئ أن يتفهّم أبعاد تلك الظاهرة المثيرة، والتي باتت منتشرةً في عموم القارة الأوروبية، “الروسفوبيا”، والتي تعني الخوف من كلّ ما هو روسيّ.
يعنّ لنا أن نتساءل: “هل روسيا بالفعل مُهدِّد حقيقيّ للأمن الأوروبي في الحال والاستقبال؟”
المؤكّد أنّ الكثير من السياسات الأوروبية، وبخاصة الألمانية، قد تسبّبت في غضب كبير للقيصر بوتين، وبخاصّة كلّ ما يتّصل بتزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة المتقدّمة، الأمر الذي دعا موسكو، وأكثر من مرّةٍ، الإشارة إلى أن رَدّات أفعالها ستكون قاسيةً إلى أبعد حدٍّ ومدٍّ.
في هذا السياق، يمكن للمرء أن يشير بنوعٍ خاصٍّ إلى تصريحات ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القوميّ الروسيّ، والذي لم يتورَّعْ أكثر من مرّةٍ لأن يشير إلى الترسانة النوويّة الروسيّة، وكيف أنّها جاهزة بالفعل لتأديب كلّ من يتجَرَّأ على المساس بالأمن الروسيّ، أو بالمصالح الروسيّة في الداخل أو الخارج.
ثم ماذا؟
من المؤكَّد أن فكرة مظلّة نوويّة أوروبية مستقلّة عن الولايات المتّحدة، أمر يشكّل نوعًا من الشقاق الداخليّ لحلف الناتو، والذي سيلتئم شمله في الخامس والسادس من يونيو/ حزيران المقبل، في أنقرة بتركيا، وعليه يمكن التساؤل: “هل سيعمد العم سام إلى تهدئة روع الأوروبيين، وبالتالي عدم التعجيل ببناء جدار نوويّ أوروبيّ–أوروبيّ جديد، أم أن المخاوف ستتعزّز بالفعل، والفارق يتعمّق بين جانبَيْ الأطلسي، ما يفتح الباب لأحاديث النهايات لأهمّ تحالفٍ جيوسياسيٍّ غربيٍّ، عرفه العالم في العقود الثمانية المنصرمة.
في كلّ الأحوال، الحديث عن مظلّة نوويّة أوروبيّة، حكمًا سوف يفتح الباب أمام تساؤلات جدّيّة عن انفلاشة نوويّة، وحقبة أكثر خطورة، لا سِيَّما أنه ربما يدفع دولًا كبرى مثل بولندا للتفكير في الحصول على سلاحها النوويّ الخاص بها، وما من أحد يضمن أنّ دولًا أوروبيّةً مهمة مثل إيطاليا، والتي ظلَّتْ منذ عقود تحتمي بالمظلّة النووية الأميركية تسعى بدورها في طريق الحصول على النوويّ الخاصّ بها.
الخلاصة، تبدو أوروبا أمام فتنة النوويّ الأميركي إلى حين إنذار آخر.
