
تبحر الفنانة والمهندسة السعودية، سارة الجهني، في عمق العلاقة بين الإنسان والمكان، عبر الطين كوسيط، الذي يستحضر الذاكرة ويستنهض العاطفة. فمن مواقع الترميم في العلا والرياض، إلى فضاءات الفن المعاصر، تبني الجهني مشروعًا إنسانيًا وجماليًا، يعيد تعريف الترميم كفعل روحي، ويمنح القيادة الأنثوية صوتًا متجذرًا في الأرض والهوية، فيما ينسجم نشاطها الفني ضمن إطار أوسع يتجسد بأعمال مبادرة عام “الحِرف اليدوية 2025” في السعودية.
الانتماء.. بداية الحكاية
وبدأت علاقة الجهني بالطين من حرفة تقليدية وأبحاث فنية، نتيجة شعور عميق بالانتماء للأرض، ولرائحة الطين بعد المطر، ولملمس الجدران التي احتفظت بصمتها رغم الغياب.
تروي قصتها لوتسهب في الحديث بحنين، قائلة: «كنت أطرح على نفسي سؤالًا لم يفارقني: لماذا هُجرت بيوت الطين؟ وماذا تبقى من العلاقة بينها وبين ساكنيها؟ هذا التساؤل دفعني للعمل ميدانيًا في ترميم البلدة القديمة في العلا وقصور الطين في قلب الرياض».
إصغاء إنساني
وحول تفاصيل عملها «حينما يهمس الطين»، ترى الجهني أنه عندما يهمس الطين، فهذا ليس مجرد عمل فني، بل لحظة إنصات لما تبقى من أثر عاطفي في البيوت المهجورة ولم يندثر رغم التهالك. فالعمل يُعيد تأمل التدهور المعماري بوصفه مرآة للتآكل العاطفي، ويجعل من الترميم لحظة شعورية تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان لإحياء المعنى.
احتواء هادئ
وفي السياق ذاته، يتجلى حضور الأنثى كقوة ترميمية هادئة، قادرة على الإصغاء والاحتواء، تستمد قوتها من الحكمة الداخلية، واستدعاء الذاكرة بوصفها عنصرًا حيًا يوحد بين المادة والعاطفة، في حضور متوازن ينبع من العمق.
الطين كوسيط فني معاصر
وتؤكد سارة الجهني أن الترميم التقليدي بالطين كان بالنسبة لها مرجعًا تقنيًا ومنظومة حسية وفكرية حملتها معها إلى الحقل الفني. وتضيف: «في عملي الهندسي في ترميم العلا والرياض لم أكن أرمم الماضي، بل أستكشف المستقبل الذي يمكن أن يُبنى منه. أدخلت هذه المدارس إلى فضاء الفن، لا لأجمّل التراث، بل لأصغي إليه مجددًا بلغة اليوم. في برنامج إقامة «مساحة» بمعهد مسك للفنون، أدخلت هذه التجربة وكانت ناجحة ومبهرة، إذ وصل العمل الفني للجمهور بإدراك عاطفي ومفاهيمي».
وسيط الأعمال
والطين، حسب الجهني، أصبح في أعمالها وسيطًا حيًا يتحدث عن العواطف الإنسانية، الأرض، الذاكرة، وتطمح لخلق طبقة زمنية مزدوجة، لا تُمجد الذاكرة بل تُنصت لها بصدق، وتُعيد حضورها في سياق معاصر من دون فقدان حقيقتها، مضيفةً أن الطين في ممارستها ليس مجرد خامة، بل لغة تتجاوز الواقع، تتعامل معه ككائن حي يختزن الذاكرة، ويستدعي العاطفة، ويُعيد تشكيل العلاقة بين العواطف الإنسانية والأرض.
صدى علاقة الإنسان
وفي تجربة سارة، لم يكن التهالك المعماري معزولًا عن التهالك العاطفي؛ فقد رأت في كل بيت متآكل صدى لعلاقة إنسانية تآكلت بصمت، وفي كل ترميم فعلًا رمزيًا يعيد ربط ما انهار في البيت وبين البشر.
إذ تستحضر بالطين الحي، أنماطًا لطالما لمحتها في العلاقات الإنسانية، بين من يختار الهجر، ومن يحاول الحفاظ، ومن يسعى إلى تطوير العلاقة بوعي. فتلك خيارات وجدت صداها، على نحو مدهش، في مدارس الترميم التقليدي: من الهدم وإعادة البناء، إلى إعادة الاستخدام، إلى الترميم الحافظ.
نهاية التهالك
الفنانة سارة الجهني لم تعد ترى التهالك نقيضًا للبناء، بل امتدادًا له، ودليلاً على أن ما يتهالك يمكن أن يُعاد تأطيره لا ليُخفى، بل ليُفهم، وتقول: «الطين في عملي يمنحني أداة تأمل، ووسيلة للتعبير، ومساحة يتحول فيها الترميم إلى ممارسة فنية وعاطفية. وهنا، لا يكون العمل الفني تركيبًا بصريًا فحسب، بل مساحة حية للتواصل بين العواطف الإنسانية، والأرض، والذاكرة».
القيادة الأنثوية من قلب السقف
وحول استخدامها براويز الصور في سقف العمل الفني لتجسيد كينونة الأنثى، ترى سارة الجهني الفنانة السعودية أن الثقافة الشعبية تحمل معاني على غرار «الأب هو سقف البيت»، وهذا المثل تحوّل في تجربتها من قول متداول إلى تساؤل جوهري مفاده: كيف يُبنى هذا السقف، ومن يقدر على حمله حين يغيب؟
بناء السقف
وتزيد في الحديث: «في تجربتي الميدانية، أدركت أن السقف لا يُبنى عبثًا، بل يُوزّع ثقله بحكمة، كما تفعل القيادة المتزنة. وحين تساءلت: كيف يمكنني كامرأة أن أُعيد بناء هذا السقف؟ أدركت أن النموذج القائم لا يشبهني، وأن عليّ أن أبنيه بلغتي الخاصة، وبكينيونة أنثوية تنتمي إليّ».
من هذا الجانب، وفقًا للجهني، جاء توظيف البراويز القديمة في سقف العمل، ليس كعناصر قديمة جميلة مليئة بالزخارف، بل كحضور بصري يجسد القيادة الأنثوية كقوة احتواء وملاذ. لذا كانت البراويز المتنوعة والمترابطة تجسيدًا لهوية قيادية لا تسعى لأن تكون بديلًا أو تكرارًا، بل امتدادًا لصوت داخلي يرى أن البناء الحقيقي فعل روحي وفني يبدأ من حكمة الخلق الساكن في الأعماق.
التراث بوابة للمعاصرة
وتعتبر أن التراث، حين يُحتضن بروح معاصرة، لا يُقيّد الفن، بل يمنحه جذورًا وأصالة. فالحرف التقليدية ليست أنقاضًا من الماضي، بل جذورا حية يمكن أن تُثمر في سياقات معاصرة، مشيرةً إلى أنه عندما تتقدم امرأة تنتمي لهذا الإرث لقيادة هذا المسار، فإنها لا تنقل الشكل فقط، بل تنقل الروح وذاكرة الأرض التي نشأت فيها، فتُصبح القيادة الفنية أكثر عمقًا، وأكثر اتصالًا بالبعد العاطفي والإنساني.
مستقبل مبني من الطين والذاكرة
في الوقت ذاته، تؤلف سارة الجهني كتاباً فنياً يقدم منهجيات فكرية وتقنية لاستخدام الطين الحي كوسيط معاصر في التعبير، انطلاقًا من تجربتها في مواقع البناء والترميم، وتطمح في الوقت ذاته إلى إحياء العمارة الطينية كحاضنة للإبداع والاستدامة، وكأرضية خصبة لتعزيز القيادة النسائية، فيما تطور مجسمات معمارية تُبنى من خامات مستدامة.
وعبر ممارسات الحرف التقليدية في السعودية، تُعيد صياغة التراث بلغة الفن المعاصر، وتقدم ورش عمل متخصصة تربط الفن المعاصر بالحرف، وتمنح الفنانين أدوات جديدة للتعبير، وفتح آفاق للتفاعل مع السياقين المحلي والعالمي من منظور أكثر أصالة.
