
الآن في بريطانيا، وفي واحد من كل 3 أحياء سكنية، يوجد كلاب أكثر من الأطفال، الأمر الذي يعكس تحولًا هيكليًا في كيفية تنظيم البريطانيين لحياتهم، وعواطفهم، والشعور بالمسؤولية.
فمعدل المواليد في بريطانيا آخذ في الانخفاض، وتكاليف السكن باهظة، والعلاقات والعمل أصبحت هشة. وفي هذه الفجوة، ظهر الصديق الوفي للإنسان “الكلب”؛ فهو غني عاطفيًا، ومقبول اجتماعيًا، وسهل الفهم، والأهم من ذلك، أنه “قابل للتراجع أو التخلي عنه” بطريقة سهلة لا تتوفر في الأطفال.
فالجيل الحالي يؤجل الأبوة أو ينسحب منها تمامًا، وأصبحت الكلاب بالنسبة لهم بدائل عاطفية مضمونة، فهم “مُعالون بالوكالة” يقدمون عاطفة غير مشروطة دون الاضطرار للتضحية الطويلة والتنازلات والتغيير الجذري الذي يتطلبه الأطفال.
كلمة السر الـ”دينكواد”
إن ظهور مصطلح “دينكواد” (وصف انتشر في الإنترنت خلال الأعوام الماضية ويعني “زوجان بدخل مزدوج، بلا أطفال، مع كلب) وهو الأحرف الأولى من “Double Income, No Kids, With A Dog”، غالبًا ما يُصوَّر كظاهرة نمط حياة غريبة. لكنه في الحقيقة استجابة للضغوط؛ ومحاولة لبناء المعنى والألفة في نظام جعل الالتزامات البشرية طويلة الأمد تبدو محفوفة بالمخاطر ومكلفة، إذ تسد الكلاب هذه الفجوة العاطفية ببراعة؛ فهي تطلب الرعاية ولكن ليس الميراث، والولاء ولا التخطيط بين الأجيال.
وكالعادة، صبّت وسائل التواصل الاجتماعي الزيت على النار. فللكلاب الآن حفلات أعياد ميلاد، وملابس ذات طابع خاص، وخطط تغذية مخصصة، وجلسات تصوير احترافية، وشراكات مع علامات تجارية، وكل ذلك يُقدم كدليل على الحب بدلاً من كونه “استعانة بمصادر خارجية” للمشاعر بشكل صارخ. عبر الإنترنت، يتم التحدث إلى الكلاب كأنهم أطفال صغار، ويُطلق عليهم “ابني” أو “طفلي”، ويُدفع بهم في شوارع المدينة في عربات صُممت أصلاً للرضع.
السؤال الصعب: هل هذا منصف للكلاب؟
وطرحت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، سؤالًا مفاده: هل يستحق الكلاب ذلك؟ فهي تُحبس في شقق صغيرة، وتُترك بمفردها لفترات طويلة، وتُجرجر في مساحات بشرية صاخبة ومزدحمة وعدائية لحيوان يعمل عالمه الحسي بتردد مختلف. نحن نطالبهم بأن يكونوا هادئين، ومطيعين، وودودين ولكن غير متطفلين؛ حاضرين ولكن غير مزعجين؛ عطوفين ولكن غير متطلبين، وممتنين لأي فتات من التحفيز يمكننا توفيره ضمن جداولنا المزدحمة.
أصبح من الغريب دائمًا أننا نحتفي بالكلاب أكثر عندما تتصرف بأقل قدر من طبيعتها الحيوانية وبأكبر قدر من “الأنسنة العاطفية”. وأي سلوك يشبه الكلاب حقًا –مثل الحماس أو الملل أو المقاومة– يتم تشخيصه سريعًا كحالة مرضية ويُعامل كفشل شخصي لكل من الحيوان وصاحبه.
نحو صراحة أكبر
لقد أصبحت ثقافة الكلاب “أخلاقية” بشكل غريب؛ فالتشكيك في انتشارها يعرّضك للوصم بالبرود أو كره البهجة، لكن المدن مساحات مشتركة؛ ليس الجميع يريد كلابًا تحت الطاولة أثناء الأكل، أو بجانبهم في القطار. ولا يود كل كلب أن يكون هناك أيضًا. في مكان ما على الطريق، اختلطت “مراعاة الحيوانات” بـ”التدليل المفرط” – وأصبح هذا التدليل إجباريًا.
هناك سؤال أخلاقي أعمق: هل يحتاج الجميع حقًا إلى كلب؟ على مر التاريخ، كان للكلاب أدوار: العمل، الحراسة، الصيد، والرعي. حتى كلاب الرفقة كانت توجد ضمن إطار أوسع من المنفعة. الآن، يعيش الكثير منها فقط لامتصاص العواطف، وتنظيم الشعور بالوحدة، وتوفير معنى لحياة خالية من الأطر الاجتماعية الأخرى.
قد يكون ذلك جميلًا، لكنه أيضًا قد يكون من طرف واحد بشكل عميق. يُتوقع من الكلب الحديث أن يكون متاحًا عاطفيًا للأبد، وممتنًا للحبس، وراضيًا بحياة تتمحور بالكامل حول راحة الإنسان. وعندما يفشل في هذه المهمة المستحيلة، ندربه بقسوة أكبر، أو نداويه بالأدوية بسرعة أكبر، أو نستاء منه لأنه لم يحقق الخيال الذي اشتريناه من أجله.
ليس المقصود من هذا أن الكلاب هي المشكلة؛ فهم يفعلون ما فعلوه دائمًا: التكيف معنا. المشكلة تكمن في الحجم، والسرعة، والإصرار الثقافي على أن امتلاك كلب هو “خير مطلق” وعلامة على النضج العاطفي، وليس – في بعض الحالات – عرضًا لمدى تآكل نسيجنا الاجتماعي.
ربما نحتاج إلى عدد أقل من الكلاب، لكننا بالتأكيد نحتاج إلى أوهام أقل حول الغرض منها، وإلى صدق أكبر بشأن ما نطلب منهم تعويضه. وربما، في بعض الأحيان، سيكون من الصحي تركهم في المنزل.
