الطب في غزة يعود للعصور الوسطى.. 20 ألف مريض عالقون في فخ الإحالات

post-title
أطباء غزة يعتمدون في تشخيص مرضاهم على الطب التقريبي والسريري

 

في قطاع غزة المنهار، تتابع العائلات الفلسطينية تدهور حالات أطفالهم وذويهم يومًا بعد يوم، بينما يقف الأطباء عاجزين عن تحديد سبب المرض؛ بسبب انهيار منظومة التشخيص الطبي، وتعطل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي جراء الحرب والحصار، لتتسع معاناة المرضى الذين ينتظرون تشخيصًا قد ينقذ حياتهم أو يوقف إعاقتهم الدائمة.

اتساع معاناة المرضى

وذكرت مجلة +972 الإسرائيلية المعارضة ذات التوجه اليساري، أن تدمير الأجهزة الطبية وتعطلها بسبب الحصار الإسرائيلي، دفع الأطباء في غزة إلى الاعتماد على التقييمات التقريبية بدلًا من التشخيص الدقيق، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى غير القادرين على الحصول على فحوصات أساسية، وعلى رأسها التصوير بالرنين المغناطيسي.

ومن ضِمن عشرات الآلاف من الحالات، تعاني الطفلة الفلسطينية جنا الحاج، البالغة من العمر 12 عامًا، منذ أشهر، من فقدان تدريجي للحركة في أطرافها، وبدأت الأعراض بفقدان القدرة على استخدام إحدى ساقيها، ثم امتد الشلل إلى الساق الأخرى، وبدأ ينتشر حاليًا إلى ذراعيها.

وخلال العامين والنصف الماضيين، لم يتمكن أي طبيب في غزة من تشخيص حالتها بسبب نقص التكنولوجيا، وقد أبلغ الأطباء عائلة الطفلة بضرورة إجراء فحص رنين مغناطيسي عاجل؛ لتحديد سبب الأعراض ووضع خطة علاجية قد تمنع إصابتها بإعاقة دائمة، مع تحذير واضح من خطورة كل ساعة انتظار إضافية.

ورغم حصول الطفلة على إحالة طبية رسمية في فبراير الماضي، لتلقي العلاج خارج غزة، فإن اسمها لا يزال على قوائم الانتظار، وسط تعقيدات البيروقراطية والاختناقات المرتبطة بنظام التصاريح الإسرائيلي.

عائق كارثي

خلال الحرب، قُتل أكثر من 1500 من العاملين في المجال الطبي في غارات جوية إسرائيلية، كما اعتُقل المئات واحتُجزوا داخل السجون الإسرائيلية، في وقت تعرض فيه القطاع الصحي لأضرار واسعة النطاق.

وتعرض بعض أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي للتدمير الكامل جراء القصف، كما أصبح بعض منها غير صالح للعمل؛ بسبب نقص قطع الغيار وغاز الهيليوم السائل اللازم لتشغيلها؛ نتيجة الحصار المفروض على القطاع.

وقال الدكتور محمد إبراهيم أبو ندا، استشاري طب أعصاب الأطفال في مستشفى الصداقة التركية الفلسطينية، إن فقدان أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي يمثل عائقًا كارثيًا أمام الأطباء والمرضى، مؤكدًا أن الأطباء لم يعودوا قادرين على تشخيص حالات الصرع المستعصية، أو التهابات الدماغ، أو الأورام المبكرة لدى الأطفال بدقة.

طب العصور الوسطى

حتى قبل أكتوبر 2023، كانت قدرة قطاع غزة على إجراء فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أقل بكثير من المعايير الدولية، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

وكان سكان القطاع، البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، يعتمدون على سبعة أجهزة فقط، رغم أن المعايير الطبية الدولية تشير إلى ضرورة توفر جهاز واحد على الأقل لكل 100 ألف نسمة.

وتركزت غالبية الأجهزة في مستشفى الشفاء والمستشفى الأوروبي، حيث كان يُجرى أكثر من 16 ألف فحص سنويًا، بينما كانت قوائم الانتظار تمتد لأشهر رغم العمل لساعات إضافية لتخفيف الضغط.

وأدى النقص الحاد في التكنولوجيا الطبية إلى انتقال الرعاية الصحية في غزة من الطب القائم على الأدلة إلى الاعتماد على التقييم السريري والعلاج العرضي، في ظل غياب وسائل التشخيص الدقيقة، ما أرجع الأطباء إلى التشخيص الطبي في العصور الوسطى.

ويبذل الأطباء أقصى ما لديهم بالإمكانات المتاحة، لكن الفجوة التشخيصية أدت بشكل مباشر إلى فقدان أرواح كثيرة، خاصة بين الأطفال، نتيجة اكتشاف الحالات في مراحل متأخرة أو تشخيصها بصورة خاطئة.

فخ الإحالة

بالنسبة لعدد من العائلات، أصبح الإجلاء الطبي خارج غزة الأمل الوحيد للعلاج، إلا أن نظام الإحالات الطبية إلى مدينة القدس أو الضفة الغربية أو خارج البلاد تحول إلى طريق شبه مغلق.

ومع وجود نحو 20 ألف شخص بحاجة إلى إجلاء طبي، مقابل السماح لنحو 12 شخصًا فقط بالمغادرة يوميًا، أصبحت معايير الاختيار شديدة الصرامة.

وتشترط إسرائيل منح الأولوية للمرضى الذين يملكون تقارير تشخيصية نهائية، بينما يتطلب الحصول على هذه التشخيصات إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي غير متوفر داخل غزة، ما يدفع المرضى الأكثر حاجة إلى أسفل قوائم السفر.