الصين تتقدم في مشروعات الصناعة النظيفة وتعيد رسم خريطة المنافسة الاقتصادية العالمية
أظهرت دراسة حديثة تقدم الصين في تمويل المشروعات الصناعية النظيفة، مع توسع دور الاقتصادات الناشئة في منافسة القوى الغربية بقطاع التحول الأخضر.
تتزايد المنافسة الدولية على قيادة الصناعات النظيفة، بعدما كشفت بيانات بحثية حديثة نُشرت الأربعاء 4 نوفمبر 2026 عن تقدم واضح للصين في جذب تمويل المشروعات الصناعية المرتبطة بخفض الانبعاثات، مقابل تراجع نسبي في موقع أوروبا والولايات المتحدة ضمن هذا السباق.
وبحسب دراسة أعدتها مؤسسة «ميشن بوسيبل بارتنرشيب»، وهي منظمة غير ربحية تعمل على دعم إزالة الكربون من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، استحوذت الصين على تمويل 23 مشروعًا من أصل 36 مشروعًا صناعيًا كبيرًا في مجال الصناعة النظيفة جرى تمويلها خلال العام الماضي. وتعكس هذه النتيجة حجم التحول الذي يشهده قطاع الاستثمار الصناعي، حيث لم تعد المنافسة مرتبطة فقط بإنتاج الطاقة المتجددة، بل امتدت إلى تطوير الصناعات الثقيلة وسلاسل التوريد والتقنيات اللازمة لتقليل الانبعاثات.
الصين توسع نفوذها في الصناعات منخفضة الانبعاثات
يشير تقدم الصين في عدد المشروعات الممولة إلى أنها نجحت في تحويل جزء من طموحاتها المتعلقة بالطاقة النظيفة إلى فرص استثمارية وصناعية ملموسة. فالمنافسة في هذا المجال لا تتعلق بتركيب الألواح الشمسية أو إنشاء محطات الرياح فقط، وإنما تشمل بناء منظومة متكاملة تضم المواد الخام والمكونات الصناعية والتصنيع والنقل والتخزين والتكنولوجيا.
وتمنح هذه المنظومة الدول التي تمتلك قاعدة صناعية واسعة قدرة أكبر على خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع حجم المشروعات، كما تساعدها على جذب استثمارات جديدة مرتبطة بالتحول إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري.
وتستفيد الصين من قاعدة إنتاجية ضخمة في عدد من القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، الأمر الذي يجعلها لاعبًا مؤثرًا في الأسواق الدولية. ومع زيادة الطلب على المعدات والتقنيات منخفضة الانبعاثات، تصبح القدرة على توفير المنتجات بأسعار تنافسية عنصرًا مهمًا في جذب التمويل وتوسيع الحصة السوقية.
الاقتصادات الناشئة تدخل المنافسة بقوة
لا يقتصر التحول الذي رصدته الدراسة على صعود الصين وحدها، إذ تشير نتائجها إلى تقدم عدد من الاقتصادات الناشئة في جذب تمويل المشروعات الصناعية النظيفة، وهو ما يغير طبيعة المنافسة التقليدية التي كانت تتركز بدرجة أكبر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ويعكس ذلك أن فرص التحول الصناعي لم تعد حكرًا على الاقتصادات المتقدمة، خصوصًا مع سعي دول نامية إلى استغلال مواردها الطبيعية ومواقعها الجغرافية وقواعدها الإنتاجية لجذب مشروعات جديدة.
وتتفاوت قدرة هذه الدول على الاستفادة من الفرصة وفقًا لعوامل متعددة، من بينها توافر البنية التحتية، واستقرار التشريعات، وإمكانية الحصول على التمويل، وتوافر العمالة المؤهلة، ومدى ارتباط الأسواق المحلية بشبكات التجارة العالمية.
كما أن جذب مشروع صناعي واحد لا يعني بالضرورة بناء قطاع مستدام؛ إذ يتطلب الأمر تطوير الموردين المحليين، ورفع كفاءة العمالة، وتوفير مصادر مستقرة للطاقة والمياه، وتحسين شبكات النقل والخدمات اللوجستية.
لماذا تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا؟
رغم استثمارات أوروبا الكبيرة في سياسات المناخ والطاقة المتجددة، فإنها تواجه تحديًا في تحويل هذه السياسات إلى مشروعات صناعية ممولة بالسرعة والحجم المطلوبين. فوجود أهداف مناخية طموحة لا يضمن تلقائيًا انتقال الاستثمارات إلى المصانع، خاصة عندما ترتفع تكاليف الطاقة أو تتعقد إجراءات الترخيص أو تتراجع القدرة على المنافسة السعرية.
وتحتاج الصناعات الثقيلة، مثل الصلب والأسمنت والكيماويات، إلى استثمارات ضخمة لتحديث خطوط الإنتاج وتبني تقنيات أقل تلويثًا. كما تتطلب بعض الحلول بنية تحتية جديدة، مثل شبكات الكهرباء القادرة على استيعاب الطلب المتزايد، ومرافق تخزين الطاقة، وأنظمة نقل المواد الخام والمنتجات.
ويضع ذلك صناع القرار الأوروبيين أمام تحدي الحفاظ على القاعدة الصناعية المحلية، مع الالتزام في الوقت نفسه بخفض الانبعاثات وتجنب انتقال المصانع إلى دول تتمتع بتكاليف إنتاج أقل.
الصناعة النظيفة ليست ملفًا بيئيًا فقط
أصبحت الصناعات النظيفة مرتبطة مباشرة بالتنافس الاقتصادي والأمن الصناعي، لأن الدول التي تسيطر على تصنيع المعدات والمكونات الأساسية يمكن أن تتمتع بنفوذ أكبر في الأسواق العالمية.
وتظهر أهمية هذا الأمر في القطاعات التي تعتمد على سلاسل توريد دولية معقدة، حيث يؤدي تركّز الإنتاج في عدد محدود من الدول إلى زيادة حساسية الأسواق لأي اضطراب تجاري أو سياسي. ولهذا تسعى حكومات عديدة إلى تنويع مصادر الاستيراد، وتشجيع الإنتاج المحلي، وبناء شراكات مع دول تمتلك الموارد أو الخبرات المطلوبة.
كما أن الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة قد يخلق فرص عمل جديدة، لكنه يفرض في المقابل تحديات تتعلق بتأهيل العمالة وتطوير مهاراتها، خصوصًا في الصناعات التي تشهد تحولًا في أساليب الإنتاج.
التمويل يحدد سرعة التحول
يبقى توفير التمويل من أبرز العوامل التي تحدد قدرة الدول على توسيع مشروعات الصناعة النظيفة. فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى رؤوس أموال طويلة الأجل، وقد تواجه صعوبات إذا كانت العوائد غير واضحة أو إذا كانت القواعد التنظيمية تتغير بصورة متكررة.
وتستطيع الحكومات دعم هذه المشروعات من خلال الحوافز والضمانات وتطوير البنية التحتية، لكن التمويل العام وحده لا يكفي لتغطية جميع الاحتياجات. لذلك يصبح جذب البنوك والمؤسسات الاستثمارية والشركات الخاصة عنصرًا أساسيًا في توسيع نطاق التحول الصناعي.
سباق مفتوح على النفوذ الاقتصادي
تكشف الأرقام عن تغير مهم في خريطة المنافسة العالمية، إذ باتت القدرة على تمويل المشروعات الصناعية النظيفة مؤشرًا على النفوذ الاقتصادي المستقبلي، وليس مجرد انعكاس للالتزام البيئي.
ومع استمرار التوسع في هذه الاستثمارات، ستواجه أوروبا والولايات المتحدة والصين والاقتصادات الناشئة اختبارًا يتعلق بقدرتها على تحويل التمويل إلى إنتاج فعلي، وبناء سلاسل توريد مستقرة، وتوفير منتجات قادرة على المنافسة.
ولا تعني الصدارة في عدد المشروعات الممولة حسم السباق بصورة نهائية، لأن النجاح يتوقف أيضًا على تنفيذ المشروعات وتشغيلها وتحقيق أهدافها الاقتصادية والبيئية. لكن تقدم الصين في هذا المجال يوضح أن المنافسة على قيادة الاقتصاد منخفض الانبعاثات أصبحت أكثر ارتباطًا بالقدرات الصناعية والتمويلية، وأقل اعتمادًا على التعهدات السياسية وحدها.



