الشهادة أمام المحاكم في مصر.. متى تُقبل شهادة الشاهد وما واجباته القانونية؟
تُعد شهادة الشهود من وسائل الإثبات التي قد يكون لها دور مهم في حسم النزاعات أمام المحاكم، خصوصًا عندما تتعلق الواقعة بتصرف شاهده شخص بنفسه أو سمع تفاصيله بصورة مباشرة. لكن الإدلاء بالشهادة ليس مجرد رواية لما يتذكره الشخص؛ إذ تحكمه إجراءات قانونية تهدف إلى مساعدة المحكمة على الوصول إلى الحقيقة، مع مراعاة حقوق أطراف النزاع وضمانات التقاضي.
ويخلط البعض بين ما يعرفه الشاهد بنفسه وما سمعه من الآخرين، كما يعتقد آخرون أن كل شخص يستطيع الإدلاء بأي شهادة في جميع أنواع القضايا. والحقيقة أن قيمة الشهادة ومدى قبولها يتوقفان على نوع الدعوى والقواعد المنظمة للإثبات وطبيعة الواقعة محل النزاع.
ما المقصود بالشهادة أمام المحكمة؟
الشهادة هي ما يدلي به الشخص أمام الجهة القضائية المختصة بشأن معلومات تتصل بواقعة معروضة عليها. وقد تتعلق هذه المعلومات بواقعة مادية أو تصرف حدث أمام الشاهد، أو بتفاصيل يمكن أن تساعد المحكمة في فهم ملابسات النزاع.
ومن المهم أن يميز الشاهد بين ما رآه بنفسه وما سمعه من شخص آخر، وألا يعرض الاستنتاجات الشخصية باعتبارها حقائق مؤكدة. فإذا شاهد واقعة بعينه، يمكنه وصف ما شاهده بحسب قدرته على التذكر. أما إذا كان علمه بالواقعة مستمدًا من حديث الآخرين، فينبغي ألا يقدم هذه المعلومات على أنها مشاهدة مباشرة.
وتقيّم المحكمة الشهادة في ضوء بقية الأدلة والقرائن، ولا يلزم أن يؤدي وجود شاهد وحده إلى حسم القضية لصالح أحد الأطراف. فقد تتعارض الأقوال مع مستندات أو شهادات أخرى، وقد ترى المحكمة أن بعض التفاصيل غير كافية لإثبات الواقعة المدعاة.
هل تُقبل الشهادة في جميع القضايا؟
تختلف قواعد الإثبات بحسب طبيعة الدعوى. فالقواعد المتعلقة بإثبات الوقائع في المواد المدنية والتجارية ليست مطابقة بالضرورة للقواعد المطبقة في المواد الجنائية أو مسائل الأحوال الشخصية.
وفي بعض المنازعات المدنية، قد تكون هناك قيود قانونية على إثبات تصرفات معينة بالشهادة، خاصةً عندما يتطلب القانون إثباتها بالكتابة أو عندما توجد استثناءات محددة تسمح بوسائل أخرى. أما في المسائل الجنائية، فتُقدّر الشهادة ضمن منظومة الأدلة وفق القواعد الإجرائية والموضوعية ذات الصلة.
ولهذا، لا يصح إطلاق قاعدة عامة تقول إن الشهادة تكفي دائمًا أو إنها لا تكون مقبولة إلا إذا كانت مكتوبة. فالمسألة تعتمد على نوع القضية والواقعة المراد إثباتها والنصوص القانونية التي تحكمها.
ما واجبات الشاهد عند الإدلاء بأقواله؟
يجب على الشاهد أن يلتزم بالصدق وألا يتعمد تقديم معلومات يعلم أنها غير صحيحة. كما ينبغي أن يجيب عن الأسئلة في حدود ما يعرفه، وأن يوضح إذا كان لا يتذكر تفصيلًا معينًا بدلًا من تخمين الإجابة لإرضاء أحد الأطراف.
ومن المهم ألا يتفق الشاهد مع الآخرين على رواية مصطنعة، أو يغير أقواله لإفادة قريب أو صديق أو صاحب عمل. فالشهادة ليست وسيلة لتصفية الحسابات أو الضغط على الخصوم، بل وسيلة تساعد المحكمة على تقييم الوقائع.
وقد تتضمن الإجراءات القانونية أداء اليمين أو اتخاذ ترتيبات معينة لسماع الشاهد، وفق نوع الدعوى والقواعد المنظمة لها. لذلك، يجب اتباع تعليمات المحكمة وعدم افتراض أن الإجراءات واحدة في جميع القضايا.
ماذا لو كان الشاهد قريبًا لأحد أطراف النزاع؟
وجود صلة قرابة أو علاقة شخصية بأحد الخصوم قد يثير تساؤلات حول مدى حياد الشاهد، لكنه لا يعني بالضرورة أن شهادته تُرفض تلقائيًا في كل أنواع القضايا. ويتوقف الأمر على القواعد القانونية التي تنظم قبول الشهادة في القضية المعنية، وعلى طبيعة العلاقة والوقائع المراد إثباتها.
ومن المهم الإفصاح عن العلاقة عندما يكون ذلك مطلوبًا، وعدم إخفاء المعلومات التي يمكن أن تؤثر في تقييم الشهادة. وفي النهاية، تتعامل المحكمة مع الشهادة وفق الأحكام المطبقة على الدعوى، وتقدرها في ضوء عناصر الإثبات الأخرى.
ولا ينبغي للشاهد أن يفترض أن قربه من أحد الأطراف يمنحه الحق في المبالغة أو أن شهادته لن تكون ذات قيمة لمجرد هذه العلاقة؛ فكل حالة تحتاج إلى النظر في ظروفها والقواعد التي تحكمها.
هل يجوز للشاهد رفض الإجابة عن سؤال؟
تختلف المسألة بحسب طبيعة السؤال والقواعد الإجرائية المطبقة. فهناك واجبات مقررة على الشاهد في الاستجابة لإجراءات المحكمة، لكن قد توجد حالات ينظم القانون فيها الإعفاء من الشهادة أو حماية أسرار معينة أو التعامل مع ظروف خاصة.
ولذلك، لا يصح أن يقرر الشخص من تلقاء نفسه أن له الحق في رفض جميع الأسئلة بسبب صلته بأحد الأطراف أو بسبب عدم رغبته في المشاركة. وإذا اعتقد أن السؤال يمس سرًا يحميه القانون أو أن هناك مانعًا قانونيًا من الإجابة، فمن الأفضل أن يوضح الأمر للجهة القضائية المختصة وفق الإجراءات المتاحة، بدلًا من تجاهل الطلب دون مبرر.
كما ينبغي عدم الخلط بين رفض الإجابة عن سؤال محدد لسبب قانوني وبين تقديم معلومات كاذبة أو إخفاء الوقائع عمدًا.
ما مخاطر الإدلاء بشهادة كاذبة؟
قد يترتب على الشهادة الكاذبة في الحالات التي يجرّمها القانون مسؤولية جنائية، وتختلف الأحكام والعقوبات وفق طبيعة الواقعة والإجراءات التي أُدليت فيها الشهادة والنصوص القانونية المنطبقة.
ولا يعني اختلاف ذاكرة الشهود أو وقوع تناقض غير مقصود أن كل شاهد متهم بالكذب؛ فقد تكون هناك أسباب تتعلق بمرور الوقت أو زاوية الرؤية أو عدم القدرة على تذكر التفاصيل. لكن التعمد في اختلاق الوقائع أو تغيير الحقيقة يختلف عن الخطأ العفوي في التذكر.
ولهذا، من الأفضل أن يقتصر الشاهد على المعلومات التي يعرفها، وأن يتجنب التوسع في التفاصيل التي لا يتذكرها، وألا يسمح لأي طرف بتلقينه رواية لا تعكس ما حدث.
كيف يستعد الشاهد للمثول أمام المحكمة؟
يمكن للشاهد مراجعة ما يتذكره من الوقائع بصورة طبيعية، وتحديد الترتيب الزمني للأحداث، والتمييز بين المشاهدة المباشرة والمعلومات التي وصلته من الآخرين. ولا يعني الاستعداد حفظ نص معين أو التدرب على إجابات مصطنعة، بل التأكد من القدرة على عرض المعلومات بوضوح ودقة.
ومن الأفضل الوصول في الموعد المحدد، وإحضار المستندات إذا كانت هناك تعليمات بشأنها، والالتزام بقواعد الجلسة. وإذا تعذر الحضور لسبب جدي، فينبغي اتباع الإجراءات الرسمية المتعلقة بالإخطار أو طلب التأجيل، بدلًا من تجاهل الاستدعاء.
وإذا كانت القضية معقدة أو كان للشاهد مركز قانوني خاص، فقد يكون طلب المشورة القانونية مناسبًا لفهم حقوقه وواجباته دون التأثير في صدق أقواله.
الخلاصة
تمثل شهادة الشهود وسيلة مهمة من وسائل الإثبات، لكن قبولها وقيمتها يختلفان بحسب نوع القضية والقواعد القانونية المطبقة. ويلتزم الشاهد بأن يميز بين ما شاهده بنفسه وما سمعه من الآخرين، وأن يتجنب التخمين أو اختلاق التفاصيل.
كما أن وجود علاقة بأحد أطراف النزاع لا يحسم وحده موقف الشهادة، ولا يجوز تعميم قاعدة واحدة على جميع المحاكم والدعاوى. وعند وجود شك بشأن واجبات الشاهد أو حدود ما يجوز له الإفصاح عنه، فإن مراجعة الإجراءات القانونية الخاصة بالقضية تساعد على تجنب الأخطاء.



