ألقى الدكتور إبراهيم العسال، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، كلمةً مميزةً خلال فعاليات منتدى مصر 2026 التي حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي. ركّز المتحدث على مسيرة مصر الحضارية، مستعرضاً المراحل التاريخية والدينية والثقافية التي شكّلت هوية الشعب عبر العصور.
تناول العسال في كلمته التي ألقاها يوم الاثنين 19 أكتوبر حضور مصر في القرآن الكريم وعلاقتها بالأنبياء، مشيراً إلى إسهامات العلماء المصريين في مختلف العلوم. وأكد أن الهوية المصرية استوعبت مصادر حضارية متعددة، من الفراعنة إلى القبطية ثم إلى الإسلام والعروبة، مع إشارة إلى الانتماءات الأفريقية والمتوسطية.
إشارات تاريخية ودينية في كلمة العسال
أشار المتحدث إلى أقوال عدد من المؤرخين، حيث وصف ابن عبد الحكم مصر بأنها “أم البلاد وغوث العباد”، وذكر ابن خلدون أنها “أم العالم وبستان الدنيا”، وأشار المسعودي إلى موقعها كـ”واسطة عقد الأرض”، بينما وصفها ابن بطوطة بأنها “ملكة العرب والعجم”، وأضاف أنه يرى فيها “أم الدنيا”.
ذكر العسال أن القرآن الكريم يذكر مصر في أحد وعشرين جزءاً، وصفتها بعبارات مثل “الزروع” و”المقام الكريم” و”الربوة ذات القرار” و”المعين” و”شاطئ الوادي الأيمن” و”الخزائن”. كما أشار إلى أن نبي إدريس كان أول من استخدم القلم والإبرة في أرض مصر، وأن نبي إبراهيم سار على أرضها، ما يجعلها ركناً أساسياً في شعيرة الحج.
استمر المتحدث في سرد الأحداث الدينية، موضحاً أن يوسف عُين على العرش في مصر، وأن يعقوب التقى بابنه بعد فراق، وأن مولده لموسى وقع على أرضها، وكذلك وصول المسيح مريم عليها لملء الأرض بالخير. كما ذكر إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوثه حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، عائداً بمارية القبطية التي أنجبت إبراهيم.
فيما يخص الصحابة، أشار إلى أن سيوطى عدّ 353 صحابياً وطأت أقدامهم مصر، من بينهم يعقوب المصري ورافع مولى الرسول وجبر الذي كان المصريون يفتخرون بأنه صاحب النبي، وختاماً عبد الله بن الحارث الملقب بالذهبي “شيخ المصريين”.
تطرق إلى العلماء المصريين، مشيراً إلى ابن يونس الفلكي في المقطم الذي كان يحدد خسوف القمر بدقة، وإلى الحسن بن الهيثم الذي أسس علم البصريات في القاهرة الفاطمية، وإلى ابن النفيس الذي قدم اكتشاف الدورة الدموية في مستشفى قلاوون بشارع المعز. كما ذكر الإمام الليث بن سعد في القليوبية، الذي أُشاد به من قبل الشافعي، وإلى الشافعي نفسه الذي أعاد صياغة مذهبه على أرض فسطاط.
سلط الضوء على إسهامات الطهراوي في المنيا، والسخاوي والسيوطي الذين ألفوا نحو 600 مرجع في عشرين فرعاً مختلفاً من العلوم، وإلى عالم الأزهر ابن المجدي الذي كان يقيس ارتفاع الشمس. وأشار إلى الطبيب على بن رضوان في الجيزة الذي أعد وثيقة “خصال الأطباء”، وإلى شيخ المقارئ في قفط بقنا الذي قدم إحدى القراءات السبع للقرآن.
ختم العسال حديثه موجهًا إلى فخامة الرئيس السيسي، مؤكداً أن الهوية المصرية أكبر من أي تيار أو نقاش، وأن إسلامها لا ينفي عروبتها ولا مسيحيتها، وأن مصر تجمع بين الجغرافيا الأفريقية والامتداد الآسيوي والهوى المتوسط واللغة العربية والجذور الفرعونية والموثق القبطية والروح الإسلامية. واختتم القول بأن مصر لا تقبل الذوبان، مستشهداً بقول ابن خلدون أن الماضي مرآة الحاضر، وأن ما يُصنع اليوم يكتب مستقبل الغد، مضيفاً أن المستقبل سيظل يكرّم مصر كـ”أم الدنيا” وسيدة الأراضى. شكراً سيادة الرئيس.



