اندلعت الحرب على إيران التي تقودها أمريكا وإسرائيل على إيران، ما أعاد الصراع الكبير للمنطقة، وهذا يجعلني أعود مرة أخرى لقراءة بعض الكتب التأسيسية لهذا الصراع، ومنها كتاب صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي “The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order” للعالِم السياسي الأمريكي صموئيل ب. هنتنغتون والذي صدر عام 1996 عن Simon & Schuster (نيويورك).

الكتاب تطوير مباشر لأطروحته التي طرحها أولًا في مقال شهير بمجلة Foreign Affairs بعنوان “The Clash of Civilizations?” (يونيو 1993)، بعد محاضرة سبقت ذلك، وجاءت أطروحته في سياق سجال فكري واسع بعد نهاية الحرب الباردة.

يقوم الكتاب على فكرة مركزية، أن الهويات الثقافية والدينية (لا الأيديولوجيات) ستصبح المحرك الأبرز للصراعات في عالم ما بعد الحرب الباردة، أي إن خطوط التوتر لن تفهم فقط عبر تنافس الدول القومية، بل عبر كتل حضارية أوسع تحددها اللغة والدين والذاكرة التاريخية والقيم وأنماط العيش.

ويؤكد هنتنجتون أن أطروحته وصفية وليست دعوة للصراع، فهو يكتب في نهاية مقال 1993 أنه لا يدعو إلى صراعات الحضارات بل يطرح “فرضية وصفية” عما قد يبدو عليه المستقبل.

يضع هنتنجتون تصورًا لـ”خريطة حضارية” للعالم، ويتحدث عن حضارات مثل: الغربية، والإسلامية، والأرثوذكسية، والصينية/السينِك (Sinic)، والهندوسية، واليابانية، واللاتينية – الأمريكية، والأفريقية.

وبحسب منطقه، تبرز “خطوط الصدع” حيث تتجاور الحضارات أو تتداخل، ويزداد احتمال الصدام بسبب حساسيات الهوية، والهجرة، والنزاعات على الحدود، وتباين تصورات الشرعية والقيم السياسية، كما يرى أن العلاقات الدولية ستشهد نمطًا “متعدد الأقطاب/متعدد الحضارات”، وأن قدرة الغرب على الحفاظ على نفوذه ستتطلب فهم هذا التحول والتعامل معه.

ويضم الكتاب خمسة أقسام، تفصل النتائج الطبيعية لهذا الافتراض الرئيسى، فالقسم الأول “عالم الحضارات” يتناول الحقبة الجديدة فى السياسة العالمية وطبيعة الحضارات والعلاقة بينها، أما القسم الثانى “الميزان المتغير للحضارات” فيتحدث عن اضمحلال الغرب قوته وثقافته وصحوة الثقافات غير الغربية.

ويتناول القسم الثالث “نظام الحضارات الناشئ” إعادة التشكيل الثقافى للسياسة الكونية وتلمس الطريق نحو التجمع وبنية الحضارات عارضا لفشل التحول الحضارى ودول المركز والدوائر المتحدة المركز والنظام الحضارى.

وكان أثر الكتاب كبيرا في كل النظريات والنظم السياسية حتى أن بعض الباحثين يذهبون إلى أن ما نحن فيه الآن من صراع بين الشرق والغرب جزء منه يأتي من الإيمان بما في ذلك الكتاب.

أثار الكتاب جدلًا ضخمًا، فمؤيدوه رأوا أنه يقدم إطارًا تفسيريًا لما يتكرر من صراعات ذات بعد هوياتي، بينما ركزت انتقادات بارزة على أنه يميل إلى تبسيط الثقافات وتثبيتها ككيانات جامدة (Essentialism)، وأنه قد يغفل التنوع الداخلي داخل كل “حضارة” وتعدد المصالح السياسية والاقتصادية التي لا تختزل في الهوية وحدها.

وقيمة الكتاب اليوم أنه أصبح “نصًا مُؤسِّسًا” في نقاش علاقة الثقافة بالسياسة الدولية بعد الحرب الباردة، سواء بوصفه إطارًا للتفسير أو بوصفه هدفًا لنقدٍ منهجي يسائل مفهوم “الحضارة” وحدود صلاحيته التحليلية.