التحكيم الرياضي يعيد فتح ملف مشاركة روسيا في بطولات هوكي الجليد الدولية
أيدت محكمة التحكيم الرياضي طعن الاتحاد الروسي لهوكي الجليد على قرار استبعاده من مسابقات دولية، معتبرة أن مبررات الاتحاد الدولي لم تدعمها أدلة كافية.
قرار تحكيمي يثير جدلًا واسعًا في الوسط الرياضي
عاد ملف مشاركة الفرق الروسية في المنافسات الرياضية الدولية إلى الواجهة، بعد أن أصدرت محكمة التحكيم الرياضي قرارًا لصالح الاتحاد الروسي لهوكي الجليد في نزاعه مع الاتحاد الدولي للعبة، بشأن استمرار استبعاد الفرق الروسية من مسابقات موسم 2026-2027.
وأعلنت محكمة التحكيم الرياضي، المعروفة اختصارًا باسم «CAS»، في 30 أكتوبر 2026، قبول الطعن المقدم من الاتحاد الروسي لهوكي الجليد، بعدما خلصت هيئة التحكيم إلى أن المبررات التي قدمها الاتحاد الدولي للعبة بشأن مخاوف السلامة والأمن لم تكن مدعومة بأدلة كافية تبرر استمرار الاستبعاد وفق اللوائح المعمول بها.
وفي 5 نوفمبر، أصدرت المحكمة بيانًا جديدًا علقت فيه على ردود الفعل المتباينة التي أثارها القرار، مؤكدة أن عملها يقوم على دراسة الجوانب القانونية والأدلة التي يقدمها أطراف النزاع، وليس على تقدير التداعيات السياسية أو التنظيمية التي قد تترتب على نتيجة التحكيم.
ما أصل النزاع بين الاتحادين الروسي والدولي؟
بدأ النزاع بعد استمرار الاتحاد الدولي لهوكي الجليد في الإبقاء على قرار عدم إعادة الفرق الروسية إلى المنافسات التابعة له، رغم وجود إجراءات ومراجعات سابقة داخل الهيكل التنظيمي للاتحاد بشأن استبعاد الفرق الروسية.
ولجأ الاتحاد الروسي إلى محكمة التحكيم الرياضي للطعن على قرار مجلس الاتحاد الدولي، مستندًا إلى أن استمرار الاستبعاد لا يستند إلى أساس كافٍ في ضوء اللوائح المنظمة للمشاركة في البطولات.
وبحسب المعلومات التي نشرها الاتحاد الروسي، جرى الاتفاق مع الاتحاد الدولي على إحالة النزاع إلى محكمة التحكيم الرياضي مباشرة، مع تجاوز بعض مراحل التقاضي الداخلي، على أن تنظر المحكمة في المسألة وفق الإجراءات المتفق عليها بين الطرفين.
وتُظهر هذه الخطوة أهمية التحكيم الرياضي بوصفه وسيلة لحسم النزاعات بين الاتحادات الوطنية والهيئات الرياضية الدولية، خصوصًا عندما تتعلق القرارات بأهلية المشاركة في البطولات أو تفسير اللوائح أو مدى مشروعية التدابير التأديبية والتنظيمية.
لماذا قبلت محكمة التحكيم الرياضي الطعن؟
أوضحت محكمة التحكيم الرياضي أن مخاوف السلامة والأمن التي استند إليها الاتحاد الدولي لم تكن مدعومة بما يكفي من الأدلة التي تبرر استبعاد الفرق الروسية بموجب اللوائح المعمول بها.
وتشير خلاصة القرار المنشورة إلى أن الهيئة التحكيمية رأت أن الاعتبارات الأمنية يمكن أن تكون ذات أهمية في تقييم مشاركة الفرق، لكنها تحتاج إلى إثبات وتدعيم، ولا يكفي مجرد طرح مخاوف عامة دون تقديم أساس واضح يبرر الإجراء المتخذ.
كما تناولت المحكمة مسألة حدود سلطتها في إصدار التدابير؛ إذ أوضحت أن الهيئة لا تستطيع أن تفرض حلولًا لم يطلبها أطراف النزاع أو لم تُعرض عليها بصورة مدعومة خلال الإجراءات.
ومن النقاط التي أثارت الاهتمام أن فكرة السماح للرياضيين الروس بالمشاركة تحت صفة الحياد أو دون رموز وطنية لم تكن جزءًا من الطلبات التي جرى تقديمها بالشكل الذي يسمح للمحكمة بفرضها من تلقاء نفسها. ولذلك لم يكن من اختصاص الهيئة أن تستبدل بالقرار المطعون عليه نظامًا آخر لم يطلبه الأطراف ولم يقدم بشأنه أساس قانوني كافٍ.
وهنا يظهر مبدأ مهم في التحكيم: المحكمة تفصل في النزاع المعروض عليها ضمن نطاق الطلبات والأدلة والاتفاق الإجرائي، ولا تتحول إلى جهة تنظيمية تتولى وضع سياسة المشاركة في البطولات نيابة عن الاتحاد الدولي.
هل يعني القرار عودة روسيا تلقائيًا إلى كل المنافسات؟
لا. من الضروري التمييز بين القرار الخاص بهوكي الجليد وبين القيود المفروضة على الرياضيين والاتحادات الروسية في ألعاب أخرى.
فمحكمة التحكيم الرياضي نفسها أوضحت في بيانها أن النزاعات المتعلقة بالمشاركة الرياضية تُفحص بصورة منفصلة، وفق اللوائح الخاصة بكل اتحاد دولي والقرار محل الطعن والوقائع المرتبطة به.
وبالتالي، فإن قبول طعن الاتحاد الروسي لهوكي الجليد لا يعني إلغاء جميع القيود الرياضية المفروضة على روسيا، ولا يترتب عليه تلقائيًا السماح للرياضيين الروس بالمشاركة في مسابقات ألعاب القوى أو البياتلون أو غيرها من الرياضات التي قد تكون محل نزاعات مستقلة.
كما أن وجود قرار تحكيمي لا يلغي تلقائيًا الاعتبارات التنظيمية المرتبطة بسلامة المنافسات أو ترتيبات الاستضافة، لكنه يضع حدودًا قانونية لما يمكن أن يستند إليه الاتحاد الدولي عند اتخاذ قرارات الاستبعاد.
ردود الفعل والاعتراضات على القرار
أثار الحكم ردود فعل متباينة، إذ أبدت جهات رياضية في عدد من الدول اعتراضها على احتمال مشاركة الفرق الروسية في البطولات المقبلة، فيما اتجهت بعض الأطراف إلى التلويح بمقاطعة مسابقات قد تشارك فيها تلك الفرق.
وأشارت تقارير إلى أن فنلندا سعت إلى تنظيم موقف مقاطع لبعض البطولات المقبلة، كما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رفض السماح بمشاركة روسيا وبيلاروسيا في بطولة العالم للناشئين المقررة في ألبرتا.
لكن هذه المواقف السياسية أو التنظيمية لا تغير بذاتها من منطوق قرار محكمة التحكيم الرياضي، كما لا تعني أن جميع البطولات والجهات المنظمة ملزمة باتخاذ الموقف نفسه؛ إذ يتعين النظر إلى اللوائح الخاصة بكل مسابقة والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة.
وفي بيانها الصادر في 5 نوفمبر، شددت المحكمة على استقلالها، وأكدت أن القرارات تصدر بناءً على الحجج القانونية والأدلة المقدمة، وليس على ردود الفعل التي تظهر بعد صدور الأحكام.
ما حدود سلطة محكمة التحكيم الرياضي؟
تُعد محكمة التحكيم الرياضي جهة متخصصة في تسوية النزاعات المرتبطة بالرياضة، وتتعامل مع طعون تتعلق بقرارات الاتحادات الدولية واللجان الأولمبية والهيئات الرياضية، وفق الاختصاص الذي ينعقد لها بموجب اللوائح أو اتفاق التحكيم.
ولا يعني ذلك أن المحكمة تحل محل الاتحاد الدولي في إدارة اللعبة، أو تتولى تنظيم جداول البطولات وتحديد الدول المضيفة، وإنما تراجع القرارات التي تدخل في اختصاصها من زاوية قانونية وإجرائية، وتحدد مدى توافقها مع القواعد الملزمة للأطراف.
وتكشف قضية هوكي الجليد عن أهمية تقديم أدلة محددة عند فرض قيود على مشاركة الرياضيين، خاصة عندما يكون القرار مؤثرًا في حقوق الاتحادات واللاعبين، كما تبرز ضرورة صياغة اللوائح الرياضية بصورة واضحة تسمح بتطبيق معايير موحدة دون تعسف أو تمييز غير مبرر.
هل يمكن أن تتغير خريطة المشاركة الرياضية الدولية؟
من المبكر الجزم بأن القرار سيؤدي إلى عودة شاملة للفرق الروسية إلى المنافسات الدولية، لأن كل اتحاد رياضي يملك لوائح وإجراءات خاصة، ولأن بعض النزاعات الأخرى لا تزال منظورة أمام محكمة التحكيم الرياضي أو جهات رياضية مختصة.
لكن الحكم يضع سابقة مهمة في النقاش القانوني حول حدود استبعاد الفرق والرياضيين لأسباب أمنية، ويؤكد أن القرارات التنظيمية يجب أن تكون قابلة للتبرير وفق الأدلة واللوائح، لا أن تستند فقط إلى مخاوف عامة أو اعتبارات سياسية.



