
في تطور علمي قد يعيد رسم صورة نشأة المياه على كوكبنا، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications عن احتمال وجود كميات هائلة من الماء مخزنة في نواة الأرض، على هيئة هيدروجين مرتبط بعناصر معدنية في أعماق الكوكب.
ولطالما انقسم العلماء بين فرضيتين رئيسيتين حول مصدر مياه الأرض: الأولى ترجّح وصولها عبر اصطدامات المذنبات والكويكبات، والثانية تفترض أنها كانت جزءا من مواد تشكّل الكوكب منذ البداية. إلا أن النتائج الجديدة تشير إلى سيناريو مختلف، إذ توضح أن قلب الأرض قد يحتوي على ما يعادل ما بين 9 و45 ضعفا من كمية المياه الموجودة حاليا في محيطات العالم.
محاكاة أعماق الأرض في المختبر
نظرا لاستحالة الوصول المباشر إلى نواة الأرض بسبب الضغوط الهائلة ودرجات الحرارة التي تصل إلى آلاف الدرجات المئوية، اعتمد فريق البحث على تجارب مخبرية متقدمة لمحاكاة الظروف التي سادت قبل نحو 4.5 مليارات عام أثناء تشكل الكوكب.
وقام العلماء بتسخين مواد معدنية تحت ضغوط شديدة باستخدام أجهزة متخصصة تُعرف بـ”خلايا السندان الماسي”، وهي من أبرز الأدوات المستخدمة في دراسة باطن الكواكب. ثم استعانوا بتقنيات تحليل ذري دقيقة لرصد توزيع العناصر داخل العينات الناتجة، ما أتاح لهم الكشف عن وجود الهيدروجين داخل سبائك حديد غنية بالأكسجين والسيليكون، يُعتقد أنها من المكونات الأساسية لنواة الأرض.
وأظهرت النتائج أن نسبا ضئيلة من الهيدروجين داخل النواة قد تعادل، عند احتسابها على مستوى الكوكب بأكمله، كميات ضخمة من المياه.
إعادة تقييم أصل المياه
تشير المعطيات الجديدة إلى أن الأرض ربما لم تكن جافة في مراحلها الأولى كما كان يُعتقد سابقا، بل احتفظت بكميات معتبرة من الهيدروجين منذ نشأتها. وإذا تأكدت هذه التقديرات، فقد يعني ذلك أن جزءا كبيرا من مياه الأرض جاء مع مواد تكوين الكوكب نفسه، وليس نتيجة اصطدامات لاحقة بأجسام جليدية من الفضاء.
ويمتد أثر هذه النتائج إلى ما هو أبعد من كوكب الأرض، إذ قد تدفع العلماء إلى إعادة النظر في تقييم “جفاف” بعض الكواكب الصخرية الأخرى، خاصة تلك التي تبدو قاحلة على سطحها، لكنها قد تخزن احتياطيات مائية عميقة في نواتها.
تأثيرات محتملة على النشاط الجيولوجي والمجال المغناطيسي
لا تقتصر أهمية الاكتشاف على تفسير أصل المياه فحسب، بل قد تسهم أيضا في فهم العمليات الداخلية للكوكب. فمع تبريد نواة الأرض تدريجيا عبر الزمن، قد يتحرر جزء من الهيدروجين إلى الطبقات العليا، ما قد يؤثر في حركة الصخور داخل الوشاح أو في طبيعة النشاط البركاني.
كما يُحتمل أن يكون لهذا المخزون المائي العميق دور غير مباشر في ديناميكيات المجال المغناطيسي للأرض، الذي يحمي الكوكب من الإشعاع الكوني، عبر تأثيره في حركة المواد داخل النواة.
ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن تقدير كمية الهيدروجين في نواة الأرض ما يزال يكتنفه قدر من عدم اليقين، نظرا لاعتماد النتائج على محاكاة مخبرية لظروف بالغة التعقيد. ومع ذلك، تمثل الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لتركيب الأرض الداخلي، وتقدم دليلا تجريبيا مباشرا على احتمال وجود مخزون مائي هائل في قلب الكوكب.
