اكتشاف ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة واحدة بالكون المبكر.. ماذا كشف رصد العلماء؟
كشف بحث فلكي حديث عن رصد ثقبين أسودين فائقَي الكتلة ينموان داخل نواة مجرية نشطة، في نظام كوني يعود إلى فترة مبكرة جدًا من تاريخ الكون، قبل مليارات السنين. ويقدم الاكتشاف فرصة مهمة لفهم كيفية نمو الثقوب السوداء العملاقة وتطور المجرات، خصوصًا أن وجود جسمين بهذه الكتلة في مرحلة مبكرة يطرح أسئلة عن سرعة تشكل هذه الأجسام والعلاقة المتبادلة بينها وبين المجرات التي تستضيفها.
ونُشرت الدراسة في دورية «Nature Astronomy» يوم 30 أكتوبر 2026، وتناولت نظامًا يقع عند انزياح أحمر يقارب 4.5، وهي قيمة يستخدمها علماء الفلك لتحديد مدى ابتعاد الأجرام الكونية في الزمن والمكان نتيجة تمدد الكون. وتشير النتائج إلى أن الثقبين الأسودين كانا ينموان بسرعة خلال اندماج مجري غني بالغاز، في مرحلة لا يتجاوز فيها عمر الكون نحو 1.3 مليار سنة وفق التقدير المرتبط بهذا الرصد.
ما الذي اكتشفه العلماء؟
تتمثل النتيجة الرئيسية في رصد نواة مجرية نشطة تحتوي على ثقبين أسودين فائقَي الكتلة، ينمو كل منهما نتيجة جذب المادة المحيطة به. وتعد هذه الأنظمة مهمة لأنها تقدم دليلًا على أن نمو الثقوب السوداء الضخمة قد يحدث في بيئات مجرية معقدة، خصوصًا عندما تتفاعل المجرات أو تندمج مع بعضها.
وتختلف الثقوب السوداء من حيث الكتلة والحجم والبيئة المحيطة بها، لكن الثقوب السوداء فائقة الكتلة توجد عادة في مراكز المجرات الكبرى، وقد تصل كتلها إلى ملايين أو مليارات المرات من كتلة الشمس. ولا يمكن رصد الثقب الأسود نفسه بالضوء بالطريقة المعتادة، لأنه لا يسمح للضوء بالإفلات من حدوده، لكن العلماء يستطيعون دراسة تأثيره في المادة والغاز المحيطين به.
وعندما تسقط كميات كبيرة من الغاز نحو الثقب الأسود، تتكون منطقة شديدة السطوع تعرف باسم قرص التراكم، وترتفع درجة حرارة المادة فيها بفعل الاحتكاك والعمليات الفيزيائية المعقدة، فتطلق إشعاعًا يمكن رصده بواسطة التلسكوبات.
لماذا يعد وجود ثقبين أسودين في نظام واحد أمرًا مهمًا؟
يتيح وجود ثقبين أسودين في نواة مجرية واحدة دراسة مرحلة انتقالية قد تحدث بعد تصادم مجرتين أو تفاعلهما. فعندما تقترب مجرتان من بعضهما، تتأثر توزيعات الغاز والنجوم والجاذبية، وقد ينتهي الأمر بتقارب الثقوب السوداء الموجودة في مركزيهما.
ولا يعني وجود ثقبين في نظام واحد بالضرورة أنهما اندمجا بالفعل أو أنهما على وشك الاندماج في وقت قصير وفق المقياس البشري. فهذه العمليات قد تستغرق فترات زمنية كونية طويلة، وتتأثر بخصائص المجرة والغاز والنجوم المحيطة بهما.
لكن رصد مثل هذه الأنظمة يساعد العلماء على اختبار النماذج التي تفسر كيفية انتقال الثقوب السوداء من مرحلة النمو المنفصل إلى مرحلة التفاعل الجاذبي، ثم احتمال تكوين ثقب أسود أكبر بعد اندماج طويل الأمد.
ماذا يعني الانزياح الأحمر 4.5؟
يستخدم علماء الفلك الانزياح الأحمر لقياس تمدد الكون وتأثيره في الضوء القادم من الأجرام البعيدة. فعندما ينتقل الضوء عبر الكون المتمدد، تتمدد أطواله الموجية، ما يؤدي إلى انتقاله نحو الطرف الأحمر من الطيف، وتزداد قيمة الانزياح كلما كان الجسم أبعد في التاريخ الكوني وفق النموذج المستخدم.
ويعني الانزياح الأحمر الذي يقارب 4.5 أن العلماء يرصدون النظام كما كان في مرحلة مبكرة جدًا من عمر الكون، وليس كما يبدو لو كان موجودًا بالقرب من مجرتنا في الزمن الحالي. ولذلك فإن دراسة هذه الأجرام تتيح العودة إلى حقبة كانت فيها المجرات والثقوب السوداء لا تزال تمر بمراحل نمو سريعة.
وتكمن أهمية الرصد في أنه لا يقتصر على تحديد وجود أجسام ضخمة، بل يساعد على فهم الظروف التي سمحت لها بالنمو في وقت مبكر نسبيًا، وهو سؤال لا تزال الأبحاث الفلكية تحاول الإجابة عنه.
كيف تنمو الثقوب السوداء فائقة الكتلة؟
تنمو الثقوب السوداء عندما تجذب المادة المحيطة بها وتبتلع جزءًا منها، وقد تتراكم كتلتها عبر فترات طويلة نتيجة تدفق الغاز والغبار أو التفاعل مع أجسام أخرى. وتختلف سرعة النمو بحسب كمية المادة المتاحة والظروف الفيزيائية المحيطة ومعدل وصول الغاز إلى المنطقة المركزية.
ويعد الاندماج المجري أحد السيناريوهات التي قد تزيد من تدفق الغاز نحو مركز المجرة، إذ تؤدي التفاعلات الجاذبية إلى إعادة توزيع المادة وتغيير حركة الغاز والنجوم. وقد يخلق ذلك ظروفًا تساعد على زيادة نشاط النواة المجرية وتسريع نمو الثقب الأسود.
لكن النمو لا يحدث بالضرورة بصورة منتظمة؛ فقد تمر الثقوب السوداء بفترات نشاط مرتفع وأخرى أقل، كما يمكن أن تؤثر الإشعاعات المنبعثة من المادة الساخنة في الغاز المحيط، فتحد أحيانًا من تدفق مزيد من المادة.
ما العلاقة بين الثقوب السوداء والمجرات؟
أصبح من الموضوعات الرئيسية في علم الفلك الحديث دراسة العلاقة بين كتلة الثقب الأسود الموجود في مركز المجرة وخصائص المجرة نفسها. وتشير ملاحظات فلكية متعددة إلى وجود ارتباط بين كتلة الثقب الأسود وبعض خصائص الجزء المركزي من المجرة، وهو ما يدعم فكرة أن تطور الثقب الأسود والمجرة قد يكون مترابطًا.
وقد تساعد النتائج الجديدة في فهم ما إذا كانت هذه العلاقة قد تشكلت في وقت مبكر من تاريخ الكون، وكيف أثرت عمليات الاندماج وتدفق الغاز في نمو الطرفين. فالثقب الأسود ليس مجرد جسم منفصل في مركز المجرة، بل يمكن لنشاطه أن يؤثر في الغاز المحيط، بما ينعكس على تكوين النجوم وتطور البيئة المجرية.
ومع ذلك، لا يعني وجود ارتباط بين خصائص الثقب الأسود والمجرة أن أحدهما يتحكم بصورة مطلقة في الآخر، إذ تتداخل عوامل كثيرة، منها كتلة المجرة ومعدل تشكل النجوم وكمية الغاز والبيئة الكونية المحيطة.
ما أهمية الدراسة بالنسبة لفهم الكون المبكر؟
تساعد دراسة الأجرام البعيدة على اختبار النظريات المتعلقة بتشكل البنى الكونية الأولى، وكيف ظهرت المجرات الكبيرة والثقوب السوداء الضخمة خلال فترة زمنية مبكرة. وتزداد أهمية ذلك لأن بعض الثقوب السوداء التي رصدها العلماء في الكون القديم تبدو أكبر مما تتوقعه بعض نماذج النمو التقليدية.
ويتيح اكتشاف نظام يضم ثقبين أسودين فائقَي الكتلة فرصة لفحص سيناريوهات متعددة، من بينها النمو السريع بفعل تدفق الغاز، والتفاعلات بين المجرات، ودور الاندماجات في تكوين الأجسام الضخمة.
كما يمكن أن تساعد الدراسات المستقبلية باستخدام التلسكوبات الأرضية والفضائية على تحديد خصائص النظام بصورة أدق، مثل كتل الثقوب السوداء ومعدلات نموها والمسافة الفعلية بينها وطبيعة الغاز المحيط بها.
هل يثبت الاكتشاف وجود ثقبين على وشك الاندماج؟
لا ينبغي تفسير الرصد على أنه إعلان عن اندماج وشيك. فالدراسة تتناول وجود ثقبين أسودين نشطين في نظام مجري واحد، لكن تحديد المسار الزمني الدقيق لاندماجهما يحتاج إلى قياسات إضافية ونماذج أكثر تفصيلًا.
وقد يظل النظام في مرحلة التفاعل لفترة طويلة قبل أن تتغير المسافة بين الجسمين بصورة كبيرة. كما أن فهم مصيرهما يتطلب دراسة توزيع المادة والغاز والنجوم، وتأثير الجاذبية في حركة كل منهما.
ما الخطوة التالية للعلماء؟
من المتوقع أن تركز الدراسات اللاحقة على تحسين القياسات الطيفية وتحديد خصائص الإشعاع الصادر عن كل نواة، إلى جانب مقارنة النظام بأمثلة أخرى من المجرات النشطة في الكون المبكر. وقد تساعد هذه المقارنات في معرفة ما إذا كان هذا الاكتشاف حالة نادرة أم جزءًا من مجموعة أوسع من الأنظمة الثنائية التي لم يتم رصدها بعد.
ويؤكد الاكتشاف أن الكون المبكر كان أكثر نشاطًا وتعقيدًا مما قد يبدو عند النظر إليه بصورة مبسطة، وأن الثقوب السوداء العملاقة لم تكن مجرد أجسام ظهرت بعد اكتمال المجرات، بل شاركت في تاريخ تطورها منذ مراحل مبكرة.



