كشفت تقارير استخباراتية أمريكية حديثة، اطلعت عليها صحيفة نيويورك تايمز، أن إيران خرجت من أشهر المواجهة المتقطعة مع الولايات المتحدة بثقة متصاعدة وفهم أعمق لحدود القوة الأمريكية، وأنها ماضية في استراتيجية استنزاف طويلة النفس تستهدف إرباك إدارة ترامب سياسيًا قبيل انتخابات التجديد النصفي، فيما تتصاعد المواجهة على أكثر من جبهة في المنطقة والفضاء الإلكتروني معًا.

إيران تُعيد رسم قواعد الاشتباك

تشير الصحيفة الأمريكية إلى أنه بينما تنبأ ترامب بانتصار سريع حين أطلق الحرب بالتنسيق مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تُظهر التقييمات الاستخباراتية صورة مغايرة تمامًا، إذ تكشف، وفق مسؤولين حاليين وسابقين اطلعوا عليها، أن طهران باتت تمتلك يقينًا أكبر بقدرتها على ضرب أهداف في المنطقة، مستندةً إلى ثلاثة عوامل رئيسية، وهي قيادة داخلية أكثر توحدًا، ومخزون لا يزال وافرًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفهم أدق لأوراق الضغط التي يمنحها لها مضيق هرمز الذي كان يمر عبره خُمس النفط العالمي قبل اندلاع القتال. وفي الأسبوع الأخير وحده، استهدفت إيران سفنًا في المضيق وقوات أمريكية في المنطقة، فيما ردت واشنطن بضربات داخل الأراضي الإيرانية أودت بحياة عسكريين ومدنيين.

وقال عضو لجنة الاستخبارات في الكونجرس، جيسون كرو، إن “الإيرانيين يشعرون بتفوق واضح في موقفهم، إذ تعرضوا لأضرار جسيمة، لكن منظومتهم بُنيت على استيعاب مثل هذه الضربات، وهم يلعبون لعبة المدى البعيد.”

وأشار كرو إلى أن طهران أدركت بصورة أعمق أن المضيق ورقة ضغط استراتيجية لم تستثمرها بالكامل من قبل، مضيفًا: “لطالما عرفوا أن المضيق ورقة رابحة، لكنهم باتوا يُدركون حجم النفوذ الذي يمنحهم إياه.”

جبهة موازية تستهدف الداخل الأمريكي

لا تقتصر أدوات الضغط الإيرانية على الميدان العسكري، بل تمتد إلى فضاء رقمي يستهدف عصب الحياة الأمريكية ومزاجها العام، فوفق ما رصدته نيويورك تايمز، رجحت التقييمات الاستخباراتية أن قراصنة مرتبطين بإيران كانوا وراء هجمات إلكترونية طالت أكثر من مئة منظومة مياه أمريكية في أواخر يوليو، وإن لم تُسفر عن تلوث فعلي، إلا أنها أربكت بعض الأنظمة واستدعت تدخلًا يدويًا وتحذيرات احترازية للسكان.

وتُشير التقارير ذاتها إلى أن هؤلاء القراصنة أبدوا اهتمامًا بالبنية التحتية للنفط والغاز، وإن كانت هذه الأنظمة أصعب اختراقًا.

ويرى أليكس أورليانز، المتخصص في رصد المجموعات الإلكترونية الإيرانية والمقاول السابق في الحكومة الأمريكية، أن المشغلين الإيرانيين “يشعرون بجرأة متزايدة، وحتى حين تُخفق هجماتهم في زعزعة الرأي العام، فإنها تُغذي مسعىً أشمل لاستنزاف الصبر الداخلي على طريقة إدارة الصراع.”

وفي السياق ذاته، رصدت شركة ميتا شبكة حسابات إيرانية على فيسبوك وإنستجرام تستهدف الشأن السياسي الأمريكي بمحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي يحمل توجهات معادية للجمهوريين، فيما وثقت شركة أليثيا للاستخبارات نشر أكثر من ألف ومئتي مقال فارسي خلال أسبوعين تُصوّر الحرب باعتبارها عبئًا سياسيًا ثقيلًا على ترامب.

واشنطن في مواجهة استنزاف بلا نهاية واضحة

تكشف الصحيفة أن هذه المعطيات تُفرز مأزقًا حقيقيًا لإدارة ترامب التي تواجه ضغطًا من اتجاهين، فمن جهة، يراهن الرئيس على العقوبات الاقتصادية أداةً لانتزاع تنازلات إيرانية تشمل السيطرة على المضيق وربما الملف النووي، غير أن مسؤولين اطلعوا على التقارير الاستخباراتية أكدوا لنيويورك تايمز أن هذه العقوبات تُذكي التصعيد بدلًا من كبحه.

ومن جهة أخرى، تُشير التقييمات إلى أن مخزونات الذخيرة الأمريكية بدأت في التراجع، مما يُقيد قدرة واشنطن على شن موجات ضرب جديدة.

وقال عضو الكونجرس جوش جوتهايمر، الذي أعلن دعمه للحرب في بدايتها قبل أن يتراجع عن موقفه، إن إيران “تعتقد أنها تمتلك أقصى أوراق الضغط، فلماذا لا تواصل إيلام الرئيس؟”، مضيفًا أن غياب استراتيجية واضحة لدى الإدارة الأمريكية أتاح لطهران الصمود في مواجهة العقوبات والضربات العسكرية معًا، “لأن الحكومة الإيرانية لا تكترث كثيرًا بمعاناة شعبها.”

وأمام هذه الصورة، حذر نائب الرئيس جي دي فانس، في إفادة صحفية، من أن طهران ستواصل محاولاتها لاستهداف المصالح الأمريكية، وإن حرص على تهوين التهديد قائلًا إن “قدرة إيران على تعطيل الحياة الطبيعية للأمريكيين محدودة للغاية.” غير أن التقارير تُلمح إلى أن إيران تُراهن على أن ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد الاستياء الداخلي كفيلان بتحويل الحرب إلى عبء انتخابي ثقيل على الحزب الجمهوري قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع.