
في خضم التوترات التجارية والسياسية المتصاعدة بين أوروبا والولايات المتحدة، تفتح قضية جديدة جبهةً غير متوقعة، وهي هواتف المراهقين، إذ إنه بعد سنوات من التحذيرات ومآسٍ إنسانية راح ضحيتها أطفال، بدأ الاتحاد الأوروبي يتحرك بجدية نحو تقييد وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين، فيما ترى واشنطن في ذلك ضربةً موجهة لعمالقة التكنولوجيا الأمريكية، في هذا الصدد رصدت صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، أبعاد هذه المعركة المتشعبة بين حماية الأطفال والسيادة الرقمية وحرية السوق.
موجة أوروبية تتصاعد
أطلقت فرنسا شرارة التحول حين أقرّت جمعيتها الوطنية، في يناير الماضي، قانونًا يحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة، ويُرجح تطبيقه مطلع سبتمبر المقبل، إذا أجازه مجلس الشيوخ الفرنسي، ليشمل أيضًا حظر الهواتف الذكية في المدارس.
وقد برر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه الخطوة بعبارة لافتة نقلتها الصحيفة: “عقول أطفالنا ليست للبيع”.
ولم تنتظر دول أوروبية أخرى طويلًا بعد هذا الإجراء، إذ أعلنت النمسا هذا الأسبوع نيتها حظر المنصات على من هم دون 14 عامًا، بينما تدرس كل من إسبانيا وألمانيا وإيرلندا والدنمارك واليونان، إجراءات مشابهة، وتدفع هولندا نحو حظر موحَّد على مستوى الاتحاد الأوروبي بأسره.
المأساة التي حركت الرأي العام
لا تقف هذه القرارات على أرضية نظرية، بل تغذيها مآسٍ إنسانية موجعة وثقتها ذا تليجراف، ففي بريطانيا خلُص تحقيق رسمي إلى أن محتوى إيذاء النفس والانتحار، الذي تعرضت له الطفلة مولي راسل صاحبة الـ14 عامًا، على منصات التواصل، كان مساهمًا رئيسيًا في وفاتها عام 2017، فيما طالب والدها بإصلاحات جذرية.
وفي مارس الماضي، فقدت عائلة أخرى ابنتها، وهي أميليا باث، ذات الـ12 عامًا؛ إثر تنمر إلكتروني متواصل عبر منصة سناب شات.
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن هذه الحوادث دفعت رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى التصريح بأنه “منفتح” على فرض حظر مماثل، مضيفًا: “لن تبقى الأمور على ما هي عليه، ولن يسامحنا الجيل القادم إن لم نتحرك الآن”.
واشنطن تشهر سلاح “حرية التعبير”
غير أن هذا التوجه الأوروبي يصطدم بجدار أمريكي صلب، فبحسب ذا تليجراف، تنظر إدارة ترامب إلى القوانين الرقمية الأوروبية باعتبارها هجومًا مُبطنًا على شركاتها التكنولوجية الكبرى، وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد اتهم أوروبا صراحةً، في مؤتمر ميونيخ للأمن 2025، بقمع حرية التعبير على الإنترنت.
وعلى الصعيد العملي، فرضت واشنطن حظر سفر على المفوض الأوروبي الفرنسي السابق تيري بريتون، أحد أبرز مهندسي قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، في إشارة إلى حجم الاحتقان.
وقد رد ماكرون على الاتهامات الأمريكية بوصفها “هراءً مطلقًا”، مؤكدًا أن حظره لوسائل التواصل قد يُفضي إلى رسوم جمركية أمريكية، ومطالبًا بتفعيل “أداة مكافحة الإكراه” الأوروبية للتصدي لأي ضغوط.
وكشفت مصادر دبلوماسية متعددة للصحيفة، أن المفاوضات مع المسؤولين الأمريكيين باتت “متوترة وعسيرة وتشبه مفاوضات البريكست”.
درع أوروبا وسيف العقوبات
في مواجهة هذه الضغوط، تتكئ أوروبا على قانون الخدمات الرقمية الذي يتيح تغريم كبرى الشركات، بما يصل إلى 6% من إيراداتها العالمية.
وقد ترجمت المفوضية الأوروبية هذا السلاح إلى أرقام ملموسة، إذ غرمت ميتا بما يعادل 173 مليون جنيه إسترليني، وأبل بـ434 مليونًا، وجوجل بأكثر من 2.5 مليار، فضلًا عن غرامة بلغت 104 ملايين على منصة إكس؛ بسبب انتهاكات الشفافية.
ويجري حاليًا التحقيق مع إكس بسبب صور جنسية مولدة بالذكاء الاصطناعي، وبدأ تدقيق مستقل في مدى التزام سناب شات بقواعد حماية الأطفال.
في المقابل، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذه الإجراءات بأنها “هجوم على جميع المنصات الأمريكية من قِبَل حكومات أجنبية”، بينما حذر السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدر من أن التنظيم المفرط سيُبعد أوروبا عن اقتصاد الذكاء الاصطناعي كليًا.
