
أوروبا تتمسك بالحوسبة الأمريكية.. ومسؤولو الدفاع يرفضون “الانفصال الرقمي”
لم تجد المفوضية الأوروبية في مساعيها لتقليص الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين صدى مرحبًا به في أروقة المؤسسات الدفاعية الأوروبية، إذ كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن مسؤولين دفاعيين كبارًا ومقاولين عسكريين أوروبيين يقاومون هذا التوجه بحجج تقنية وعملياتية، محذرين من أن الإفراط في السيادة الرقمية قد يُضعف القدرات القتالية للقارة ويُعقد تنسيقها مع حلفائها في الناتو، في وقت تسابق فيه أوروبا الزمن لإعادة تسليح نفسها في مواجهة التهديدات الروسية وتراجع الدور الأمريكي.
“الحبل الشوكي” الأمريكي وفجوة لا تُردم في ثماني سنوات
يرى مسؤولان رفيعا المستوى في الاتحاد الأوروبي وعدد من المقاولين الدفاعيين، وفق ما رصدته فايننشال تايمز، أن التحول القسري نحو بدائل أوروبية سيُبقي القارة في موقع أضعف، لا أقوى، مستندين إلى تقديرات تُشير إلى أن الولايات المتحدة تتقدم بما بين ثماني وعشر سنوات في منصات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الحوسبة الأمريكية الدفاعية.
وقال أحد هذين المسؤولين بصراحة للصحيفة: “لا نزال نشتري كميات كبيرة من المعدات الأمريكية، لأننا ببساطة سنكون أقل أمانًا إن لم نفعل.” وزاد مسؤول تنفيذي في قطاع الدفاع على ذلك بتشبيه لافت، واصفًا منظومة الحوسبة الأمريكية المُدمجة في البنية الدفاعية الأوروبية بـ”الحبل الشوكي”، ومحذرًا من أن “إجراء عملية زرع بديل يعني قتل المريض”، قبل أن يضيف أن “كثيرًا من الأسلحة التي نحتاجها يوميًا لن تعمل ببساطة دون البنية الخلفية الأمريكية.”
طموح تشريعي أمام جدار الواقع
قدمت المفوضية الأوروبية في يونيو الماضي مقترح “قانون تطوير الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية”، الذي يُلزم الدول الأعضاء بتصنيف خدماتها العامة وفق درجة حساسيتها، بحيث تستخدم الخدمات الأعلى درجةً تقنياتٍ محليةً حصراً، وهو شرط لن ينطبق، بحسب تقديرات المفوضية ذاتها، إلا على 1% من الخدمات العامة الأوروبية.
ودافع مسؤولو المفوضية عن هذا التوجه بالقول إن الإطار يُتيح لكل دولة عضو تحديد مستوى السيادة الرقمية الملائم بحسب طبيعة نشاطها العام، غير أن دبلوماسيًا أوروبيًا أبدى شكوكًا جوهرية حول الاشتراط الأشد صرامة، واصفًا إياه بأنه “غير واقعي”، مستدلًا بأن “لا شركة، أمريكية كانت أم أوروبية، قادرة حاليًا على استيفاء هذا المستوى.” وبينما رفضت جوجل وأمازون ومايكروسوفت التعليق على المقترح، كشفت مصادر مطلعة للصحيفة أن بعض شركات التكنولوجيا الأمريكية أجرت بالفعل مشاورات بشأن هذا التشريع مع وزراء دفاع ومسؤولين في الناتو.
معضلة الميدان الرقمي
تتشابك في هذا الملف حجج السيادة مع متطلبات التحالف العسكري، في توتر يصعب حله، فمن جهة حذرت إيلينا فالتونين، وزيرة خارجية فنلندا، في تصريحات نقلتها فايننشال تايمز على هامش فعالية في معهد تشاتام هاوس، من خطر “مفتاح الإيقاف” الذي قد يلجأ إليه مزودون أجانب لقطع الخدمات الحيوية في لحظات الأزمات، مشيرةً إلى أن هلسنكي تُعد لمثل هذا السيناريو.
وأوضحت أن الهدف لا ينبغي أن يكون امتلاك كل مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي، بل “ضمان ألا تُوقَف أي قطعة حيوية.” وفي السياق ذاته، أعلنت مجموعة إيرباص الأوروبية في يوليو الماضي نقل بعض تطبيقاتها الأكثر حساسية من منصة AWS الأمريكية إلى مزود فرنسي بديل هو Scaleway.
في المقابل، نبه جيمس أباثوراي، نائب الأمين العام للناتو المعني بالابتكار والفضاء الإلكتروني، إلى أن “الميدان بات رقميًا بالكامل”، وأن قدرة دول الحلف على القتال معًا تستلزم “تبادل البيانات بسلاسة وسرعة”، وهو ما قد تُعقده القيود المفروضة على منصات الحوسبة الأمريكية.
إشكالية التوقيت
يُجمع المعارضون للقانون على أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في التوقيت والسرعة، ويلفت كاميل جراند، الأمين العام لرابطة صناعات الفضاء والأمن والدفاع الأوروبية، إلى أن أحدًا لن يُلقي بمقاتلاته من طراز F35، التي تعمل على منظومة حوسبة أمريكية متكاملة، في سلة المهملات، فيما يستدعي القانون الأمر بشكل غير مباشر.
ويُضيف أن ثمة “إشكالية توقيت حقيقية” تحكم هذا الملف، إذ “يعتمد كل شيء على حجم التحول وسرعته المطلوبة.” ويرى مؤيدو نهج المفوضية أن المزودين الأوروبيين لن يتمكنوا من النمو والتوسع ما لم تخلق الحكومات طلبًا حقيقيًا على خدماتهم، وأن اشتراطات السيادة تُرسي سوقًا محليًا ضروريًا لمزودي الحوسبة والذكاء الاصطناعي الأوروبيين.
ومع اتجاه عدد من العواصم، لا سيما في الدول الشرقية والنوردية، للمطالبة بتعديل القانون خلال مناقشات الأشهر القادمة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد تطرحها الصحيفة: كيف تصون استقلاليتها الرقمية دون أن تُضحي بجاهزيتها الدفاعية في زمن لا يرحم التردد؟
