
أغنية أنت عمري ليست أول عمل غنائي يجمع بينهما
أول مرة غنت من ألحان عبدالوهاب عام 1934 في مصيف رأس البر
غنت اللحن الثاني لعبدالوهاب عام 1943 من كلمات كامل الشناوي كتبه إعجابًا بجمال الفنانة كاميليا
المقدمة الموسيقية استمرت 14 دقيقة والجمهور صفق لها 15 دقيقة
تليفزيون دمشق قطع نشرة الأخبار بسبب الأغنية والمرور توقف في القاهرة ساعتين
في الوقت الذي انتهت فيه الست أم كلثوم من وصلتها الغنائية على مسرح حديقة الأزبكية، 6 فبراير 1964، وعادت إلى بيتها على نيل الزمالك لتنام ـ هذا إذا كانت نامت هذه الليلة بالفعل حيث كان من عادتها أن تسهر للصباح بعد أي حفلة – كانت الجماهير المصرية والعربية من المحيط إلى الخليج في حالة دهشة ـ أو استمرارًا للدهشة ـ التي أصابت الجميع بعد هذه الأغنية التي كتبها أحمد شفيق كامل ووصفت ـ أي الأغنية بلقاء أو “التقاء العملاقين” محمد عبدالوهاب وأم كلثوم (كان العنوان الرئيسي لصفحة (حديث الناس) في صحيفة الأخبار المصرية، 8 فبراير 1964. فيما تخلت صحيفة الأهرام الرصينة عن شكلها وأسلوبها ـ تحت رئاسة تحرير محمد حسنين هيكل ـ وكتبت مانشيت عنوانه:
“الأغنية تعطل المرور في شبرا ساعتين” وتفاصيل الخبر تقول: “فشلت محاولات رجال المرور في تفريق الجمهور الذي احتشد على ناصية شارعي مسرة وشبرا وهو ـ أي الجمهور ـ يستمع إلى الأغنية من ميكروفون استأجره تاجر خردوات وسجل الأغنية على شريط كاست وبدأ يذيعها للناس” ونشر الأهرام أيضًا يقول: “دمشق تلغي النشرة وتذيع الأغنية” فهل هذا التخلي عن الوقار والرصانة التي اتصفت بهما الأهرام ـ وهي تصف أجواء إذاعة الحفل وتبعاته أن الذي جمع ما بين السحابين (أم كلثوم وعبدالوهاب) الرئيس جمال عبدالناصر ؟ احتمال!
•••
وإن كان البعض ـ ومنهم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد ـ يؤكد أن ما فعله الأهرام ليس بالأمر الغريب أو العجيب خاصة عندما تكشف لنا عن أن مواطنًا من مدينة بني سويف ـ تقع جنوب القاهرة 140 كم شمال الصعيد ـ أرسل ـ وهو من معجبين الست ـ رسالة على بيتها فيها إحصائية خاصة بأغنية أنت عمري مكتوبة بخط اليد ومسجل فيها بالأرقام عدد المرات التي غنت فيها كل (كوبليه) وكل (مقطع) وكل (كلمة) وعدد المرات التي قالت فيه “آه!”.
(في عام 1965 بعد إذاعة أغنية أمل حياتي نشرت الأهرام 24 ديسمبر من العام ذاته، أن مواطنًا من مدينة دمنهور ـ شمال القاهرة ـ اسمه عبدالقادر مفيد أهدى إلى أم كلثوم بقرة عمرها 6 سنوات وجاموسة عمرها 8 شهور تعبيرًا عن إعجابه بالأغنية) غير أن الصحفية لم تذكر لنا كيف جاء الرجل من مدينته للعاصمة بالبقرة والجاموسة!
فيما قامت الست منيرة المهدية بعد أغنية (أنت عمري) ـ للمرة الأولى والأخيرة ـ بإرسال برقية تهنئة على منزل أم كلثوم قالت فيها: “لو كنت أستطيع أن أسير على قدمي لسعيت إليك مهنئة ولكن روحي وقلبي يحوطانك في خطواتك وفي كل ما تقدمينه يا درة الزمن” فبكت أم كلثوم وذهبت في اليوم التالي لتزورها في عوامتها بالكيت كات بحي إمبابة على نيل القاهرة (ماتت منيرة المهدية بعد هذا اللقاء بشهور قليلة).
•••
وكانت مجلة الكواكب في عددها الصادر 30 نوفمبر، كتبت تحت عنوان (الليلة السعيدة في حياة الشعب عمرها 40 سنة) ـ تقصد المجلة بالليلة (ليلة الخميس) الأول من كل شهر ـ فيما أضافت مجلة آخر ساعة في عددها الصادر 12 فبراير، أن المقدمة الموسيقية استغرقت 14 دقيقة واستغرق تصفيق الجمهور من وقت الأغنية 14 دقيقة وهو وقت غير مسبوق في التصفيق!
•••
إن هذه الأغنية كما تقول نعمات أحمد فؤاد – قبل إذاعتها وبعد إذاعتها – أحيطت بهالة اقتربت من الأساطير والسبب كما تقول: “نحن قد تعودنا أن نتحدث كل بضع سنوات في موضوع تلحين عبدالوهاب لأم كلثوم ثم نسكت ونمضي إلى شؤوننا لنعود إلى الحديث نفسه بعد سنوات” لكن هل كانت هذه الأغنية أول أغنية يلحنها عبدالوهاب وتغنيها الست؟ هذا السؤال أجاب عنه الكاتب الصحفي عبدالنور خليل بالنفي عندما أكد: “لا.. لقد غنت أم كلثوم من قبل هذه الأغنية من ألحان عبدالوهاب..مرتين. الأولى عام 1934 في مصيف رأس البر في فيلا الكاتب الصحفي محمد التابعي”.
ويؤكد عبدالنور خليل: “حدثت المفاجأة عندما غنت أم كلثوم لحنًا لم يعش لأكثر من ليلة واحدة عن قصيدة ارتجلها الشاعر كامل الشناوي في مصيف رأس البر، لكن لعدم توافر أجهزة تسجيل وقتها لم يتم تسجيل الأغنية ثم تكرر اللقاء مرة أخرى بعد 10 سنوات وبالتحديد عام 1943 في شارع قدري بالسيدة زينب في القاهرة داخل فيلا الطبيب المصري الشهير عبدالوهاب مررو، الذي كان يجتمع عنده أهل الفن والغناء كل ليلة ـ وفي حضور توفيق الحكيم وكامل الشناوي وأم كلثوم وعبدالوهاب وفكري باشا أباظة والفنانة الشابة وقتها كاميليا التي كانت شديدة الجمال والإغراء فكتب فيها ارتجاليًا كامل الشناوي يقول:
“لست أقوى على هواك ومالي
أمل فيك فارأف بحالي
إن بعض الجمال يذهل قلبي
عن ضلوعي فكيف كل الجمال”
فعجبت الكلمات الحضور ـ خاصة فكري باشا أباظة ـ الذي جاء بالعود ـ وكان معلقًا على الحائط بجوارهم ـ وقدمه لعبدالوهاب الذي لحن الكلمات وأعجبت أم كلثوم فراحت تترنم باللحن في صوت خفيض ثم انطلقت تغني ويملأ صوتها المكان وإمتاعها للجميع غير أن اللحن لم يعش إلا ليلة واحدة كما حدث مع لحن فيلا محمد التابعي وضاع اللحن الثاني “من أذهان من قدر لهم أن يسمعوه” ولم يخطر في بال أي من الحضور أن هذا الثنائي لن يجتمع مرة أخرى ـ في غناء ـ إلا بعد ما يقرب من20 عامًا تقريبًا.
•••
وهذا الجمع والتعاون بينهما – في لقاء السحاب كما وصف وقتها – ثم بعدما التقى الرئيس جمال عبدالناصر في عيد الثورة عام 1963 بحضور المشير عامر، حيث فوجئ ـ عبدالوهاب والست ـ بالرئيس يقول لهما: “وعدتمونى في عيد العلم ونحن نكرم كلًا منكما أن تشتركا في تقديم عمل فني.. أين الوعد؟ أين يا أستاذ عبدالوهاب أوبريت مجنون ليلى”؟ وتدخل المشير عامر قائلًا: “المهم ألا ينسيا الوعد ويقدما لنا عملًا يجمعهما” ثم كرر الأثنان العهد مرة أخرى أمام عبدالناصر وتحقق بالفعل الوعد والحلم عام 1964 وغنت “أنت عمري”. التي قالت فيها:
“إبتديت دلوقتي بس
أحب عمري
إبتديت دلوقتي أخاف،
أخاف.. لا العمر يجري”
ومر الوعد ومر الحلم ومر الخوف.. ومر العمر، لكن ظلت أم كلثوم – بفنها – وستظل – مع اختلاف التفاصيل- قادرة على تعطيل حركة المرور إذا غنت وقادرة على أن تجعل الجمهور – إذا ما كان في استطاعته – وإذا ما كانت فيلتها في مكانها على نيل الزمالك – أن يرسلوا لها – حتى بعد وفاتها – البرقيات والتبريكات والتهاني والأغاني والأمنيات إعجابًا بفنها وعصرها.. بعدما بدأ كل مستمع فيهم يحب عمره ويخاف “من العمر يجري!”.
ورغم أن “العمر جري” بعبدالوهاب وأم كلثوم لكن في نهاية المطاف حدث التعاون بينهما ليجتمع السحاب مع السحاب في عشرة عمر كان عنوانها:
“التقاء العملاقين!” أو “لقاء السحاب !”
