تحت ستار التعتيم الإعلامي وقطع الإنترنت، تكشف منظمات حقوقية عن أدلة صادمة تشير إلى أن حملة القمع التي شنتها السلطات الإيرانية ضد المحتجين كانت أكثر دموية بكثير مما أُعلن سابقاً، في واحدة من أعنف موجات العنف الحكومي في العصر الحديث.

وتشير تقديرات منظمات حقوق الإنسان إلى أن عدد القتلى جراء قمع الاحتجاجات في إيران يتجاوز 10 آلاف شخص، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الأولية التي تحدثت عن بضعة آلاف فقط، بحسب رصد صحفي لصحيفة “وول ستريت جورنال“.

تعتيم كامل
وسعت السلطات الإيرانية إلى عزل البلاد عن العالم عبر قطع الإنترنت وعرقلة الاتصالات، في محاولة لإخفاء حجم العنف المستخدم لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة. غير أن منظمات حقوقية تقول إن تحقيقاتها الجارية تكشف أن الحصيلة الحقيقية للضحايا أعلى بكثير مما كان يُعتقد في البداية.

وكانت التقديرات الأولى تشير إلى مقتل بضعة آلاف، وهو ما كان سيجعل تلك الحملة الأكثر دموية ضد المعارضين منذ عقود.

لكن مع مراجعة شهادات شهود العيان، والتحقيقات الميدانية، وسجلات المستشفيات، ومقاطع الفيديو والصور، يؤكد ناشطون حقوقيون أن الواقع يبدو أكثر فداحة.

وتقول منظمات حقوقية إن القمع، حتى وفق التقديرات المتحفظة، يُعد من أكثر استخدامات القوة الحكومية عنفاً ضد متظاهرين في العصر الحديث، متجاوزاً في عدد ضحاياه حملة الصين ضد متظاهري ساحة تيانانمن عام 1989.

وقال مدير منظمة إيران لحقوق الإنسان ومقرها أوسلو محمود أميري مقدم: “لا شك أن الجمهورية الإسلامية ارتكبت واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في عصرنا”.

وقد تحمل الأرقام المتزايدة أبعاداً جيوسياسية، في وقت نقلت فيه الولايات المتحدة أصولاً عسكرية، بينها حاملة طائرات، إلى الشرق الأوسط تحسباً لاحتمال توجيه ضربة لإيران.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجع في وقت سابق عن توجيه ضربة، قبل أن يؤكد لاحقاً: “نحن نراقبهم عن كثب”.

رواية رسمية وتشكيك حقوقي
واعترفت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من 3100 شخص، محمّلة المسؤولية لما وصفته بأعمال شغب وإرهابيين، ومؤكدة أن معظم الضحايا من القوات الموالية للحكومة أو مدنيين، وهي رواية تشكك فيها منظمات حقوق الإنسان.

وقالت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران إنها وثّقت مقتل أكثر من 5500 متظاهر بعد التحقق من هوياتهم، بينما تحقق في مقتل 17 ألف حالة إضافية استناداً إلى صور للجثث وشهادات شبكة من الموثقين داخل البلاد.

وقال نائب مدير المنظمة سكايلا ثومبسون: “هذا رقم يمثل الحد الأدنى، ومن المؤكد أنه سيرتفع”.

مجازر غامضة
من جهته، قال أميري مقدم إن عدد القتلى ربما يتجاوز 20 ألفاً، محذراً من أن القيود المستمرة وتهديد عائلات الضحايا تعيق عمليات التحقق.

واندلعت الاحتجاجات أواخر ديسمبر (كانون الأول) بسبب الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتحول سريعاً إلى مطالب بإسقاط النظام.

وفي مساء 8 يناير (كانون تالثاني) فرضت السلطات تعتيماً كاملاً ونشرت قوات مسلحة بكثافة، لتبدأ موجة عنف غير مسبوقة.

وتحدث شهود عن مشاهدة مئات الجثث داخل مشارح، فيما أظهرت مقاطع مصورة أكياس جثث سوداء في مدن عدة، وسط عائلات تبحث عن ذويها.

وأكد شهود وخبراء أن غالبية عمليات القتل نفذتها قوات الحرس الثوري وميليشيا الباسيج باستخدام أسلحة عسكرية، بعد تراجع الشرطة عن حفظ الأمن.

وقال الباحث الحقوقي سعيد غولكار: “بعد انسحاب الشرطة، مُنحت قوات الحرس الثوري الإذن باستخدام أسلحة عسكرية”.

وتُعد أحداث يناير (كانون الثاني) الأكثر دموية منذ ثمانينيات القرن الماضي، متجاوزة حصيلة احتجاجات 2009 واحتجاجات (المرأة، الحياة، الحرية) عام 2022 التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني.

وتكشف التحقيقات الجارية عن أزمة حقوقية وإنسانية عميقة، يتجاوز بعدها الداخلي إلى تداعيات إقليمية ودولية. ومع استمرار التعتيم، يبقى العدد الحقيقي للضحايا مفتوحاً على مزيد من الارتفاع، في انتظار محاسبة دولية لم تتضح ملامحها بعد.