كشفت صحيفة “ذا جارديان” البريطانيةK أن الولايات المتحدة باتت تسيطر أو تتمتع بحق الوصول إلى أكثر من 110 منشآت عسكرية على الأراضي الأسترالية، أي ما يتجاوز نصف إجمالي المنشآت الدفاعية في البلاد.

وقد استندت الصحيفة إلى قاعدة بيانات ضخمة أعدها معهد “نوتيلوس للأمن والاستدامة”، جُمعت من مصادر مفتوحة وردود برلمانية رسمية وتقارير حكومية وتجارية، لترسم صورة غير مسبوقة لحجم التغلغل العسكري الأمريكي في القارة الأسترالية.

وهو ما وصفه عدد من المحللين بأنه تجاوز حد “التغلغل” ليبلغ مرحلة “التشبع الكامل”، بل ذهب بعضهم إلى توصيفه صراحةً بـ”الاستعمار العسكري”.

أرقام تتحدث عن نفسها

تُفصل قاعدة بيانات معهد “نوتيلوس” التي نشرتها “ذا جارديان” هذا الوجود الأمريكي بأرقام دقيقة، إذ أن الجيش الأمريكي يتحكم مباشرةً في 17 منشأة على الأراضي الأسترالية، مع حق الوصول إلى 75 منشأة إضافية تديرها أستراليا.

وتُضاف إلى ذلك 18 منشأة أخرى تستخدمها شركات دفاعية أمريكية عملاقة، مثل “لوكهيد مارتن”، التي تُجمّع صواريخ موجهة في ميناء وايكفيلد بولاية جنوب أستراليا، و”نورثروب جرومان”، التي وقعت عقدًا بملايين الدولارات هذا العام لتصنيع محركات صواريخ في مولوالا بنيو ساوث ويلز.

وتضطلع هذه المنشآت مجتمعةً بمهام متنوعة تشمل جمع الاستخبارات ورصد الأقمار الصناعية واعتراض الاتصالات، فضلًا عن تدريب نحو 2500 من مشاة البحرية الأمريكية يتناوبون في الإقليم الشمالي خلال الموسم الجاف، إلى جانب تخزين أسلحة وذخائر ووقود جاهزة للنشر السريع في أي نزاع محتمل بمنطقة المحيط الهادئ.

قواعد تصنع الحرب وتخزن عدتها

تحتل قاعدة “باين جاب” مكانة محورية في هذه المنظومة، إذ تضم ثلاث منشآت متمايزة في موقع واحد، بدايةً من محطة تحكم أرضية لأقمار استخباراتية، ومحطة إنذار مبكر لرصد إطلاق الصواريخ، ومنشأة لاعتراض اتصالات الأقمار الأجنبية.

وعلى الرغم من كونها “منشأة دفاع مشتركة” رسميًا، فإنها تُدار في الواقع دائمًا بقيادة أمريكية، وتؤدي دورًا حاسمًا في العمليات الأمريكية حول العالم، بما فيها نزاعات الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تكاد منطقة “برادشو” التدريبية في الإقليم الشمالي تغيب كليًا عن الوعي العام، رغم أن مساحتها تعادل مساحة جزيرة قبرص بأكملها.

وعلى الصعيد ذاته، أُعلن في يونيو الماضي عن تحويل قاعدة باندي أنا في وودونجا بولاية فيكتوريا إلى مستودع أمريكي ضخم بتكلفة 30 مليون دولار، يحوي أسلحة وذخائر ومركبات عسكرية جاهزة للتحرك الفوري.

ولا يتوقف التمدد عند هذا الحد، إذ ستنطلق قريبًا عمليات تناوب 1200 عسكري أمريكي من قاعدة الغواصات HMAS ستيرلينج قرب فريمانتل، وهو ما يراه المحللون قاعدةً أمريكية فعلية، بغض النظر عن التسميات الرسمية.

اتفاقية التموضع وتناقضات السيادة

يستند هذا الوجود المتنامي إلى اتفاقية تموضع القوات التي تمنح القوات والمقاولين الأمريكيين “وصولًا غير مقيد” إلى المنشآت الأسترالية المتفق عليها، بما يشمل نشر القوات والمعدات وتزويد السفن بالوقود وإعادة تزويد الطائرات.

وفي حين يتمسك المسؤولون الأستراليون بمبدأ “لا قواعد أجنبية على أرضنا السيادية”، يؤكد وزير الدفاع ريتشارد مارلز في الوقت ذاته أن “البصمة الأمريكية المتزايدة في المنطقة توازن التراكم العسكري الصيني الهائل”.

وقد التقى مارلز بوزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث في البنتاجون الأسبوع الماضي، حيث اتفق الجانبان على “تسريع مبادرات تموضع القوات في القواعد الأسترالية وتعزيز التعاون اللوجستي المشترك”.

ويرى البروفيسور ريتشارد تانتر، مؤلف قاعدة البيانات والباحث في معهد نوتيلوس والزميل الفخري في جامعة ملبورن، أن هذا الواقع يعكس فشلًا مؤسسيًا عميقًا، قائلًا لـ”ذا جارديان”: “لقد تعلمنا كيف لا نطرح هذه الأسئلة”، مشيرًا إلى أن واشنطن تُهيئ منذ أكثر من عقد منصةً لعمليات حربية عالية الوتيرة ضد الصين، منطلقةً من الأراضي الأسترالية.

صحوة الشارع الأسترالي

لا يعكس الشارع الأسترالي الحماس ذاته الذي يبديه المسؤولون، إذ كشف استطلاع معهد “لووي” أن ثقة الأستراليين في الولايات المتحدة تدهورت إلى 31% فحسب، وهو أدنى مستوى في تاريخ الاستطلاع، فيما لا يثق سوى 21% منهم في الرئيس دونالد ترامب للتصرف بمسؤولية في الشؤون الدولية.

والأكثر دلالةً أن 59% من الأستراليين يرون أن مصلحة بلادهم تكمن في سياسة خارجية مستقلة، في مقابل 23% فقط يفضلون التحالف الوثيق مع واشنطن.

وتصف الدكتورة إيما شورتيس، مديرة الشؤون الدولية والأمنية في معهد أستراليا، هذا التحول بـ”الزلزال الحقيقي” في إدراك الأستراليين لحليفهم التاريخي، وتستشهد بالهجوم الأمريكي في مارس الماضي على فرقاطة إيرانية بغواصة نووية أمريكية، أودى بحياة أكثر من 100 شخص، وكان على متنها ثلاثة بحارة أستراليين لم تُبلَّغ بهم أستراليا مسبقًا، لتخلص إلى أن “الاندماج المتسارع مع الآلة العسكرية الأمريكية يُفضي إلى تآكل متزايد لاستقلالية القرار الأسترالي السيادي”.

ويزيد الدكتور ألبرت بالاتسو، أستاذ الدراسات الحربية بجامعة نيو ساوث ويلز كانبيرا، الأمر وضوحًا حين يقول لـ”ذا جارديان” إن الحكومة الأسترالية “ترقص نحو حرب” بين القوتين، فيما يصف الدكتور فينس سكاباتورا، مؤلف كتاب “اللوبي الأمريكي والسياسة الدفاعية الأسترالية”، الوضع بـ”الموجة الثانية من الاستعمار”، معتبرًا كل نقطة على الخريطة ورقة ضغط بيد واشنطن على كانبيرا في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية.