
تحولت الأدوية في إيران إلى سلع نادرة تُقاس بقدرة الأسرة على دفع ثمنها، فكل علبة دواء أصبحت معركة جديدة مع التضخم والعقوبات ونقص الإمدادات، بينما يجد أصحاب الأمراض المزمنة أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر، تقليل الجرعات أو الانتظار، في بلد يزداد فيه المرضى احتياجًا إلى العلاج كلما ضاقت بهم سبل الحصول عليه.
وتتراجع قدرة الحكومة على توفير العملة الأجنبية في ظل ارتفاع أسعار العقاقير ونقصها أيضًا في الصيدليات، بينما دفعت الحرب المستمرة منذ ستة أشهر المرضى المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة إلى تقليل الجرعات أو تأجيل زيارات الأطباء أو البحث عن بدائل أقل فاعلية، في وقت بات فيه الحصول على بعض الأدوية الضرورية مسألة مرتبطة بالقدرة على الدفع أكثر من توافر العلاج نفسه.
وأظهرت شهادات مرضى وصيادلة أن تداعيات الأزمة امتدت إلى أدوية القلب والسرطان والسكري والصداع النصفي ومضادات الاكتئاب وأدوية الحمل، فيما اضطرت بعض الأسر إلى بيع ممتلكاتها لتوفير العلاج، وقالت شبكة “سي إن إن” الأمريكية إن بعض الصيدليات أكدت بالفعل وجود نقص وارتفاعات حادة في الأسعار، بينما حذرت رابطة الصيادلة الإيرانية من اتساع نطاق الأزمة ليشمل مئات الأدوية.
أزمة الدواء
كشفت “حالة سيما”، إيرانية تبلغ 35 عامًا وتعاني من مرض في الكلى، حجم الأزمة، بعدما اضطرت إلى زيارة سبع صيدليات في طهران قبل أن تعثر على الدواء الذي تحتاج إليه لمنع تدهور حالتها، لكنها وجدت أن سعره ارتفع مجددًا، ما دفعها إلى تقليل الجرعة بدلًا من تناول الكمية التي وصفها الطبيب.
وقالت سيما، التي استخدمت اسمًا مستعارًا للتحدث بحرية، إن بعض أدوية السرطان لم تعد تُستخدم إلا مع المرضى الذين لا يزالون في المراحل المبكرة من المرض، بينما اضطر مرضى آخرون إلى البحث عن أدوية من أقارب أو معارف قادمين من الخارج، إضافة إلى ذلك، لجأت أم فقدت ابنتها الوحيدة إلى دواء محلي مضاد للاكتئاب بعدما أصبح العلاج الذي كانت تستخدمه أكثر صعوبة في الحصول عليه.
وأفادت صيدليات تواصلت معها “سي إن إن” بأن أدوية القلب أصبحت متاحة في بعض الحالات كبدائل محلية بدلًا من الأنواع الأصلية التي وصفها الأطباء، بينما أصبحت أدوية خفض الكوليسترول أكثر تكلفة بصورة كبيرة، واختفت بعض أدوية الصداع النصفي تمامًا من رفوف الصيدليات، في حين تشير تقارير إعلامية إيرانية إلى أن النقص طال ما يقرب من 800 دواء، وهو رقم أكد رئيس رابطة الصيادلة الإيرانية شهرام كلانتري أن الصيدليات تواجه صعوبة في تعويضه بسبب ارتفاع التكاليف.
فواتير متصاعدة
أوضح مسؤولون إيرانيون أن البلاد تنتج أكثر من 97% من الأدوية من حيث الكمية، لكن هذه النسبة لا تعني الاكتفاء الذاتي بشكل كامل، إذ ظلت المصانع تعتمد على مواد أولية ومعدات وتكنولوجيا مستوردة، كما بقيت بعض الأدوية المتخصصة مرتفعة التكلفة مرتبطة بالواردات والعملات الأجنبية، وهو ما جعل انهيار قيمة الريال وقيود التحويلات المالية ينعكسان سريعًا على القطاع.
وتفاقمت الأزمة بعدما توقفت شركات التأمين عن سداد مستحقات الصيدليات، ما حرم المرضى المؤمن عليهم في أحيان كثيرة من الحصول على الأدوية رغم امتلاكهم وصفات علاجية سارية، وقالت رابطة الصيادلة إن أكثر من 18 ألف صيدلية خاصة تنتظر مستحقاتها، فيما وصلت ديون شركات التأمين للصيدليات إلى نحو 800 تريليون ريال، أي قرابة 300 مليون دولار.
وأضافت هذه الضغوط عبئًا جديدًا على قطاع لا يملك القدرة على تمويل مخزوناته من موارده الخاصة، إذ قال كلانتري إن الصيدليات لم تعد قادرة على استخدام أموالها لشراء الأدوية ثم انتظار عام كامل أو أكثر لتحصيل مستحقاتها، وفي الوقت نفسه عرقلت قدرة الحكومة المحدودة على بيع النفط والحصول على العملة الأجنبية انتظام سلسلة التوريد.
وأشارت تقديرات وخبرات أكاديمية إلى أن العقوبات لا تمنع فقط وصول الأدوية المستوردة، وإنما تعرقل أيضًا تمويل الصفقات وعمليات التحويل المصرفي وشراء المواد اللازمة للإنتاج المحلي، ما يجعل حتى الدواء المصنوع داخل إيران عرضة لتداعيات العقوبات.
ضربات مدمرة
ألحقت الحرب أضرارًا مباشرة بقطاع الدواء نفسه، بعدما قال المتحدث باسم إدارة الغذاء والدواء الإيرانية محمد هاشمي إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا بأكثر من 40 شركة دوائية وموردًا للمعدات وموزعًا خلال الأشهر الأولى من العام، ما أدى إلى زيادة الضغط على منظومة كانت تواجه بالفعل نقصًا في التمويل والمواد الخام.
وضربت إسرائيل في أواخر مارس الماضي مصنع شركة “توفيق دارو” الإيرانية الكبرى، التي تنتج مواد فعّالة تدخل في تصنيع أدوية السرطان ومواد التخدير، وقال الجيش الإسرائيلي إن الشركة كانت توفر مادة الفنتانيل لجهة إيرانية تجري أبحاثًا وتطويرًا في مجال الأسلحة الكيميائية، بينما نفت الشركة هذه الاتهامات.
وتضرر أيضًا معهد باستور التاريخي في إيران، وهو مؤسسة بحثية يعود تأسيسها إلى أكثر من قرن، وقالت مجلة “لانسيت” الطبية إن الهجمات دمرت مختبرات مرجعية حيوية، من بينها مختبرات مرتبطة بالمراقبة الجينية وداء الكلب وفيروس نقص المناعة والتهاب الكبد الفيروسي والأمراض المنقولة بواسطة النواقل.
شددت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسابيع الماضية حملة العقوبات على إيران، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تشديد الخناق على الشبكات المالية والتجارية التي تستخدمها طهران لتجاوز العقوبات، ضمن حملة تهدف إلى تقليص مصادر الإيرادات التي تعتمد عليها الحكومة، خصوصًا عائدات النفط.
ضغط العقوبات
وسمحت واشنطن رسميًا ببعض المعاملات المرتبطة بالغذاء والدواء والأجهزة الطبية مع إيران، لكنها فرضت إجراءات رقابية إضافية للتأكد من عدم تحويل هذه السلع أو عوائدها إلى جهات خاضعة للعقوبات، كما طلبت من الحكومات والمؤسسات التي تسعى إلى حماية قنوات الدفع تقديم معلومات إضافية حول شحنات الأدوية والجهات التي تشتريها.
واتجهت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة إلى تطبيق سياسة “الرفض المفترض” على بعض التراخيص، مع مراجعة الطلبات حالة بحالة، ما زاد من مخاوف الشركات الدولية والبنوك من التعامل مع السوق الإيرانية، حتى عندما لا تكون الصفقة أو الجهة المعنية خاضعة مباشرة للعقوبات.
وحذرت أبحاث وخبراء من ظاهرة “الإفراط في الامتثال”، إذ قد تقرر البنوك وشركات التجارة عدم التعامل مع إيران حتى عندما لا تكون أطراف الصفقة مدرجة على قوائم العقوبات، بسبب المخاطر القانونية والمالية، وهو ما يزيد صعوبة إدخال الأدوية والمواد الطبية إلى البلاد، ويؤثر كذلك على تمويل الشركات المحلية.
وواجهت إيران بالتالي أزمة صحية واقتصادية متشابكة، فلم يعد النقص مرتبطًا فقط بالأدوية المستوردة، بل امتد إلى قدرة الصيدليات على شراء المخزون، وقدرة المصانع على استيراد المواد اللازمة، وقدرة شركات التأمين على سداد مستحقاتها، في وقت أدى فيه التضخم وتراجع قيمة العملة إلى تقليص القوة الشرائية للأسر.
