الحكم بعقوبة جناية أو جنحة يؤدي من الانتقاص من شخصية المحكوم عليه ويحول دون استعادة مكانته الاجتماعية اللائقة ودون الوصول إلى مركز شريف، إذ أن الحكم بالعقاب يتبعه في غالب الأحوال الحرمان من بعض الحقوق السياسية والمدنية ويسجل في صحيفة السوابق، فيتعذر على المحكوم عليه الاندماج ثانية في الهيئة الاجتماعية، كما أنه ليس من العدل أن يحرم شخص من “رد اعتباره” إذا بذل مجهودًا ليحسن سيره وسلوكه، وأقام الدليل على هذا بمرور فترة معينة دون أن يرتكب جرائم أخرى.

لهذا قررت أغلب الشرائع أحكامًا برد اعتبار المحكوم عليهم، وجعلته نظامًا مقررًا لصالح المحكوم عليهم بموجبه يستطيعون أن يحسنوا سيرهم وسلوكهم بغية مكافأتهم برد اعتبارهم إليهم، كما أنه نظام مقرر لصالح الهيئة الاجتماعية نفسها، فمن مصلحتها أن يندمج فيها كل من تاب وأصلح فيؤدي أعمالاً لصالح نفسه ولصالح المجموع في آن واحد – فما رد الاعتبار في الحقيقة إلا طريقة أدخلها الشارع المصري كي يمكِّن المحكوم عليهم من أن يستعيدوا حقوقهم السياسية والمدنية وبالتالي يندمجون في المجتمع مستردين مكانتهم السابقة للحكم، وهذا كله ما يطلق عليه بـ”تعريف رد الإعتبار”.

لأصحاب السوابق.. لو قضيت فترة سجنك وعايز تستعيد مكانتك في المجتمع.. تعمل إيه؟

فى التقرير التالى، يلقى الضوء على كيفية تصدى المشرع العربى من التخفيف من الأثار الاجتماعية المترتبة على الأحكام الجنائى عن طريق “رد الاعتبار” حيث يعانى المحكوم عليه فى تلك الفترة من نظرة أفراد مجتمعه إليه باعتباره مجرماَ، ويظل المجتمع يلفظه، ويتحاشى التعامل معه فتر غير قصيرة من الوقت، لولا رد الاعتبار من ناحية، وما تبذله الأجهزة المختصة فى كل دولة من رعاية لاحقة من ناحية أخرى .

في البداية – يتساءل الكثيرين ما هو رد الاعتبار وإجراءاته وشروطه والفرق بين رد الاعتبار القضائي، والقانوني، والتجاري، و”رد الاعتبار” هو محو الآثار الجنائية للحكم بالإدانة، بحيث يأخذ المحكوم عليه وضعه فى المجتمع كأي مواطن لم تصدر ضده أحكام جنائية، ويهدف “رد الاعتبار” إلى التخفيف من الآثار الاجتماعية للأحكام الجنائية والتي قد تقف صحيفة السوابق فيها عائقًا ضد المحكوم عليه في أن يشق طريقه العادي للعمل والالتحاق بأى وظيفة، و”رد الاعتبار” نظام قانوني أوردته معظم التشريعات، وذلك بهدف تمكين المحكوم عليه من الاندماج ثانية في المجتمع، ورد الاعتبار يمكن المحكوم عليهم من أن يستعيدوا حقوقهم السياسية والمدنية التي قد سلبت منهم .

“رد الاعتبار” لا يجوز الحصول عليه إلا مرة واحدة فقط

وقد نص قانون الإجراءات الجنائية على أنه: “يجوز رد الاعتبار إلى كل محكوم عليه في جناية أو جنحة والنص جاء  مطلقًا غير مقيد بقيد، فلكل محكوم عليه في جناية أو جنحة أن يطلب رد اعتباره لسابقة الحكم فيها سواء أكانت العقوبة مقيدة للحرية أم عقوبة مالية، ورد الاعتبار لا يجوز للمحكوم عليه إلا مرة واحدة فلا يجوز لمن حكم برد اعتباره وارتكب جريمة حكم عليه فيه أن يجدد طلبه مرة ثانية، إذ هذا النوع من المجرمين غير جديرين باحترام القانون لهم ورعايتهم ما دام قد ساء سلوكهم وعادوا إلى حياتهم الإجرامية السابقة على رد الاعتبار .

ما إجراءات طلب رد الاعتبار؟  

حدد قانون الإجراءات الجنائية إجراءات  تقديم طلب رد الاعتبار للمحكوم عليه فى جناية أو جنحة، حيث يقدم طلب رد الاعتبار بعريضة إلى النيابة العامة، ويجب أن يشتمل على البيانات اللازمة لتعيين شخصية الطالب، وأن يبين فيها تاريخ الحكم الصادر عليه والأماكن التى أقام فيها من ذلك الحين، وتنص المادة المادة 543 على أن تجرى النيابة العامة تحقيقاً بشأن الطلب للاستيثاق من تاريخ إقامة الطالب فى كل مكان نزله من وقت الحكم عليه ومدة تلك الإقامة، وللوقوف على سلوكه ووسائل ارتزاقه، وبوجه عام تتقصى كل ما تراه لازماً من المعلومات وتضم التحقيق إلى الطلب وترفعه إلى المحكمة فى الثلاثة الأشهر التالية لتقديمه بتقرير يدون فيه رأيها، وتبين الأسباب التى بنى عليها، ويرفق بالطلب :

1 – صورة الحكم الصادر على الطالب.

2 – صحيفة الحالة الجنائية لطالب رد الاعتبار.

3 – تقرير عن سلوكه أثناء وجوده فى السجن.

وتنظر المحكمة الطلب وتفصل فيه فى غرفة المشورة، ويجوز لها سماع أقوال النيابة العامة والطالب، كما يجوز لها استيفاء كل ما تراه لازماً من المعلومات، ويكون إعلان الطالب بالحضور قبل الجلسة بثمانية أيام على الأقل، ولا يقبل الطعن فى الحكم إلا بطريق النقض لخطأ فى تطبيق القانون أو فى تأويله، وتتبع فى الطعن الأوضاع والمواعيد المقررة للطعن بطريق النقض فى الأحكام – مادة 544 – وترسل النيابة العامة صورة من حكم رد الاعتبار إلى المحكمة التى صدر منها الحكم بالعقوبة للتأشير به على هامشه، وتأمر بأن يؤشر به فى قلم السوابق “مادة 546” .

وما الفرق بين رد الاعتبار القضائي والقانوني والتجاري

رد الاعتبار القضائي

هو مجموعة الإجراءات التي تتبع أمام جهة قضائية للحكم لطالبي رد الاعتبار بإعادة اعتبارهم إليهم، وهو من اختصاص الجهة القضائية تفصل فيه حسبما يتراءى لها من ظروف الطالب عما إذا كان جديرًا برد اعتباره إليه إذا حسن سيره  منذ صدور الحكم عليه أم غير ذلك.

شروط رد الاعتبار القضائي

يتطلب توافر ثلاثة شروط لإمكان الحكم برد الاعتبار.

الأول: تنفيذ العقوبة

فتنفيذ العقوبة واجب لرد الاعتبار، ويقصد بالعقوبة هنا جميع العقوبات الصادرة على طالب رد الاعتبار إذا كانت متعددة ويعتبر في حكم التنفيذ صدور العفو عن العقوبة، أو بسقوطها بمضي المدة طبقًا للقانون.

والثاني: وفاء جميع الالتزامات المالية  

فيحب للحكم برد اعتبار الطالب أن يوفي بكل ما حكم به عليه من غرامة أو رد أو تعويض أو مصاريف، وحكمة هذا الشرط هو أنه يتعين على المحكوم عليه أن يصلح كافة ما نجم من ارتكابه لجريمته ومحو كافة آثارها، إلا أن للمحكمة أن تتجاوز عن هذا الشرط إذا أثبت المحكوم عليه أنه ليس بحال يستطيع معها الوفاء وإذا لم يوجد المحكوم له بالتعويضات أو الرد أو التعويض أو المصاريف أو امتنع عن قبولها وتنازل عنها .

والثالث: مرور فترة هي مدة الاختبار المقررة

مرور فترة هي مدة الاختبار المقررة في القانون دون أن يشوبها أية شائبة ومرور هذه الفترة دون أن يحدث فيها ما يشين طالب رد الاعتبار تعتبر أمراً هاما لضمان حسن سير وسلوك الطالب ولقد تفاوتت هذه الفترة بحسب نوع الجرائم والعقوبات فهى ست سنوات في عقوبة الجناية، وثلاث سنوات في عقوبة الجنحة ، وتضاعف هذه المدد في حالتي الحكم للعود وسقوط العقوبة بمضي المدة.

مُدد رد الإعتبار

أن المدد تبدأ من تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة أو تاريخ انقضاء التنفيذ إذا أفرج عن المحكوم عليه تحت شرط، أما إذا حكم على طالب رد الاعتبار علاوة على العقوبة بالمراقبة مدة من الزمن فتبدأ المدة من اليوم الذي تنتهي فيه مدة المراقبة، وفي حالة العفو تبدأ المدة من تاريخ خطاب العفو .

فإذا ما توافرت هذه الشروط ورأت المحكمة أن سلوك طالب رد الاعتبار يدعو إلى الثقة بتقديم نفسه، تحكم برد اعتباره إليه وإلا يتعين رفض الطلب وفي  حالة رفض الطلب لا يجوز تجديد الطلب بسبب رفضه لسوء سلوك الطالب إلا بعد سنتين من هذا الرفض، أما إذا كان سبب الرفض هو أن المحكوم عليه لم ينفذ سائر الشروط الأخرى فيجوز تجديد الطلب متى توافرت هذه الشروط، ولقد نص قانون الإجراءات الجنائية على أنه يجوز إلغاء الحكم الصادر برد الاعتبار إذا ظهر أن المحكوم عليه صدرت ضده أحكام أخرى لم تكن المحكمة قد علمت بها أو حكم عليه فيها بعد رد الاعتبار في جريمة وقعت قبله وذلك بناءً على طلب من النيابة العامة.

رد الاعتبار القانوني:

هو رد إعتبار المحكوم عليه بقوة القانون بمرور مدة يعينها القانون دون ارتكاب المحكوم عليه جرائم في خلالها يتعين رد اعتباره من تلقاء نفسه دون حاجة إلى اللجوء إلى السلطة القضائية فهو رد اعتبار حتمي، وهو مقرر بالنسبة للجنايات والجنح بدون تمييز بين أنواعها، ومع ذلك يجيز المشرع بعض أنواع من الجنح ويقرر لها مدداً مساوية للمدد المتطلبة في عقوبة الجنحة، حيث تنص المادة 550 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه “يرد الاعتبار بحكم القانون إذا لم يَصدُر خلال الآجال الآتية على المحكوم عليه بعقوبة جِناية أو جُنحة مما يحفظ عنه صحيفة بقلم  السوابق:

أولاً :- بالنسبة إلى المحكوم عليه بعقوبة جناية أو بعقوبة جنحة فى جريمة سرقة أو إخفاء أشياء مسروقة أو نصب أو خيانة أمانة أو تزوير أو شروع فى هذه الجرائم وفي الجرائم المنصوص عليها فى المواد 355 ، 356 ، 367 ، 368 من قانون العقوبات متى مضي على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها أو سقوطها بمضي المدة إثنتا عشرة سنة.

ثانياً:- بالنسبة إلى المحكوم عليه بعقوبة جنحة فى غير ما ذكر متى مضي على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها ست سنوات، إلا إذا كان الحكم قد اعتبر المحكوم عليه عائداً، أو كانت العقوبة قد سقطت بمضي المدة فتكون المدة إثنتا عشرة سنة.

ماذا عن رد الاعتبار التجاري؟

هو استرداد المفلس لمكانته الاجتماعية ومحو آثار جريمة الإفلاس التي لطخت سمعته التجارية، وعودته لممارسة نشاطه التجاري واعتبار أن الحكم بالإفلاس وكأن لم يكن، كما يمكنه استعادة حقوقه المدنية والسياسية.

الآثار المترتبة على رد الاعتبار 

لقد نصت المادة 552 من قانون الإجراءات الجنائية على أثار رد الاعتبار حيث نصت علي أنه: “يترتب على رد الاعتبار محو الحكم القاضي بالإدانة بالنسبة للمستقبل وزوال كل ما يترتب عليه من انعدام الأهلية والحرمان من الحقوق وسائر الآثار الجنائية”، فيما نناشد المشرع إجراء تعديل تشريعي على قانون الإجراءات الحنائية برفض رد الاعتبار في جرائم القتل العمد وجرائم اهدار المال العام للمحافظة على سلامة المجتمع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *